المملكة تبني قوتها.. وتحمي سيادتها بعزيمة رجالها

18/10/2026 0
حسين بن حمد الرقيب

تبدأ قوة الدفاع السعودي من إنسان يؤمن بأن حماية وطنه شرف، وأن أمن أهله وسيادة أرضه أمانة يحملها بشجاعة وإخلاص. إنسان يقف في موقعه حين يشتد الخطر، ويتقدم لأداء واجبه مدركا أن خلفه وطنا يستحق التضحية. وبسواعد هؤلاء الرجال، وما يمتلكونه من علم ومهارة وانضباط، بنت السعودية قوة دفاعية تجمع بين السلاح المتقدم والإرادة الصلبة، تحمي بها أرضها وأجواءها وبحارها ومقدراتها. وقد استثمرت المملكة في تأهيل أبنائها وتدريبهم، إلى جانب تزويد قواتها بمنظومات عسكرية حديثة، حتى تقترن قوة المعدات بكفاءة من يستخدمها. فالشجاعة في الميدان تحتاج إلى معرفة ودقة وحسن تقدير، والقرار تحت الضغط يتطلب ثباتا وسرعة استجابة وتحمل مسؤولية. وهذه الصفات تمنح التقنية قيمتها، وتحول إمكاناتها إلى قدرة فعلية على مواجهة التهديد وحماية الأرواح والمنشآت الحيوية.

وتقدم شهادة نقلها موقع «Breaking Defense» في تقرير نشره في 8 مارس 2022 مثالا على هذه الكفاءة. فقد أشاد ريك ليماستر، نائب رئيس بوينغ للمبيعات الدولية في قطاع الدفاع، بنجاح القوات الجوية السعودية في استخدام مقاتلات «F‑15SA» لإسقاط صواريخ كروز أطلقتها ميليشيات الحوثي، وبقدرة السعوديين على التكيف مع التهديد وتوظيف الطائرات بطريقة ربما لم يفكر فيها سابقا. وتبرز وراء هذه الشهادة قيمة المقاتل السعودي الذي يجمع بين الإقدام وإتقان المهمة؛ يتعلم قدرات سلاحه، ويدرك متطلبات المواجهة، ويستخدم معرفته لاتخاذ القرار المناسب. فالمواجهة تختبر الإنسان بقدر ما تختبر المعدات، وتكشف أثر التدريب حين يتحول إلى تصرف محسوب في لحظة حاسمة. وهنا تظهر شجاعة تحمل المسؤولية، والثبات أمام الخطر، والحرص على إنجاز المهمة وحماية من يقف خلف خطوط الدفاع.

الصناعات العسكرية السعودية.. قوة تحمي وقيمة تبقى

ومن كفاءة الإنسان السعودي وشجاعته تنطلق أهمية توطين الصناعات العسكرية؛ فالخبرة المتراكمة في التشغيل والميدان تسهم في توجيه البحث والتطوير نحو احتياجات فعلية، وتربط المقاتل الذي يواجه التهديد بالمهندس الذي يطور الحل والفني الذي يضمن الجاهزية. وبهذا تبني المملكة قدرة صناعية وطنية تسند قواتها، وتتيح صيانة منظوماتها وتوفير احتياجاتها والمشاركة في تطويرها. وتوافر هذه القدرات داخل الوطن يسرع الاستجابة، ويدعم استمرار الجاهزية، ويقلل التأثر باضطراب الإمدادات وقت الأزمات، بما يعزز استقلال القرار الدفاعي. وفي هذا المسار تلتقي متطلبات الأمن مع فرص الاقتصاد؛ فالعقد العسكري يستطيع أن يدعم إنشاء مصنع، وتأهيل كفاءات، وتطوير موردين، ونقل معرفة تستفيد منها أنشطة صناعية أخرى. وهكذا يتحول الإنفاق الدفاعي إلى إنتاج ووظائف وخبرات تبقى داخل المملكة، وتتكامل قوة أبنائها في الميدان والمصنع لحماية الوطن وبناء مستقبله.

تشير بيانات الهيئة العامة للصناعات العسكرية إلى وصول عدد المنشآت في القطاع إلى 311 منشأة بنهاية عام 2024، فيما بلغ عدد التصاريح التأسيسية والتراخيص 572 تصريحا وترخيصا. ويعكس ذلك اتساع قاعدة القطاع، مع ضرورة التمييز بين عدد المنشآت وعدد التراخيص، إذ قد تحصل المنشأة الواحدة على أكثر من تصريح أو ترخيص بحسب أنشطتها. وتظهر القيمة الفعلية لهذا التوسع عندما تتحول التراخيص إلى منشآت منتجة، وتنجح الشركات في تنفيذ العقود وتسليم منتجات وخدمات مطابقة للمواصفات. ولهذا فإن متابعة تطور القطاع تحتاج إلى النظر في حجم الإنتاج والمشتريات المحلية ومستوى التقنية وقدرة الموردين على الوفاء بالتزاماتهم، إلى جانب نمو أعداد المنشآت والتراخيص. وتتضح أهمية الإنتاج المحلي عند النظر إلى تكلفة المعدات طوال سنوات استخدامها. فثمن الشراء يمثل بداية الالتزام المالي، ثم تأتي تكاليف التشغيل والتدريب والصيانة والفحص والتحديث واستبدال المكونات. وكل نشاط تستطيع الشركات الوطنية تنفيذه بكفاءة يزيد القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد، ويضيف خبرة تساعد على إدارة احتياجات المنظومات طوال عمرها التشغيلي. وقد تتوقف جاهزية معدة مرتفعة القيمة على قطعة صغيرة أو خدمة فنية متخصصة. ورغم محدودية تكلفة القطعة، فإن تأخر وصولها قد يعطل الاستفادة من المعدة. وعندما تتوافر القدرة المحلية على تصنيعها أو إصلاحها وفق المعايير المعتمدة، تتحقق فوائد تشمل اختصار الوقت وتقليل التعطل وتحسين استمرارية التشغيل، إلى جانب العائد الاقتصادي المباشر. وتصبح هذه المرونة أكثر أهمية في الأزمات، عندما يرتفع الطلب على المصانع وتتزايد الضغوط على وسائل النقل والإمداد. ولذلك ينبغي تحديد أولويات التوطين وفقا لأهمية المنتج وحساسية مكوناته وحجم الطلب عليه وجدوى اكتساب تقنيته. وقد تكون صيانة منظومة مهمة أو إنتاج مكون حيوي منها خطوة أنسب في مرحلة معينة من تصنيع منتج كامل. فالبناء الصناعي يحتاج إلى تدرج يراعي الإمكانات والاحتياجات، ويتيح الانتقال إلى أعمال أكثر تعقيدا مع تراكم الخبرة. وبهذا يصبح التوسع قائما على قدرة مثبتة وفرص تشغيل واضحة، وتقل مخاطر الاستثمار في أنشطة لا تجد طلبا كافيا أو تتطلب قدرات لم يكتمل بناؤها بعد.

وبحسب الهيئة، بلغت نسبة توطين الإنفاق على المعدات والخدمات العسكرية 24.89% بنهاية عام 2024، مع استهداف تجاوز 50% بحلول 2030. وتزداد قيمة هذا التقدم كلما صاحبه نمو في التصنيع والهندسة والصيانة وتطوير الموردين، وانتقال أكبر للمعرفة إلى الكفاءات الوطنية. فعمق التوطين يظهر في نوع المهام التي تستطيع المنشآت تنفيذها وقدرتها على تطوير أدائها باستمرار. وتبرز هنا أهمية أن تتضمن الشراكات الدولية التزامات واضحة لنقل التقنية، تشمل تدريب فرق محددة، وتأهيل موردين، وإتاحة المعرفة الفنية المتفق عليها، وتمكين الموظفين الوطنيين من تنفيذ أعمال كانت تتم خارج المملكة. وكلما كانت هذه الالتزامات قابلة للقياس، أصبح تقييم الشراكة أدق، وازدادت القدرة على ربط فرص الشريك التجارية بما يقدمه من قيمة محلية. وتستطيع السعودية الاستفادة من حجم طلبها لبناء شراكات ممتدة، تمنح الشركات الوطنية دورا يتوسع بمرور الوقت. فالمهم هو ما يبقى بعد تنفيذ العقد من مهارات ومعدات وخبرات وحقوق استخدام وتطوير. وعندما تدخل هذه العناصر في التفاوض منذ البداية، تصبح الصفقة خطوة في مسار صناعي متكامل، وتدعم مشاركة المنشآت المحلية في العقود المقبلة.

ولكي تستثمر الشركات في هذا المسار، تحتاج إلى رؤية واضحة قدر الإمكان للاحتياجات المستقبلية. فشراء المعدات المتخصصة وتوظيف الفنيين وتدريبهم يتطلب تقديرا لحجم الطلب واستمراره. ويساعد وضوح الاتجاهات العامة للمشتريات، ضمن متطلبات السرية والمرونة العسكرية، على تقليل مخاطر الاستثمار وربط التوسع بفرص تشغيل واقعية. كما تمنح العقود الطويلة المصانع فرصة لتوزيع تكاليف التأسيس على كميات أكبر وتحسين جدوى الاستثمار. ويجب أن يقابل استقرار الطلب تحسن مستمر في الجودة والإنتاجية والأسعار ومواعيد التسليم، حتى تنمو الصناعة على أساس تنافسي وتقدم للجهات المستفيدة قيمة مناسبة مقابل إنفاقها.

ويمتد هذا النمو إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي تستطيع المشاركة في تصنيع الأجزاء الدقيقة وتشكيل المعادن والبرمجيات والفحص والخدمات الهندسية. فالصناعات العسكرية تعتمد على شبكة واسعة من الموردين، وتتيح للشركة المتخصصة أن تبدأ بنشاط محدد، ثم توسع أعمالها بعد إثبات قدرتها على الالتزام بالمواصفات ومتطلبات العملاء. وتحتاج هذه المنشآت إلى مسار واضح للتأهل. فقد تملك الشركة خبرة صناعية جيدة، لكنها تواجه صعوبة في تكاليف الاعتماد أو تطوير أنظمة الجودة والتوثيق. ويمكن لبرامج التدريب والاختبار والتأهيل أن تساعدها على تجاوز هذه المرحلة، وتتيح لها المنافسة على عقود تناسب قدراتها، ثم الانتقال تدريجيا إلى أعمال أكبر.

ويكمل التمويل هذا الدور، خاصة أن بعض المنشآت تحتاج إلى شراء المعدات والمواد قبل الحصول على إيرادات كافية، وقد تطول المدة بين بدء التنفيذ واستلام المستحقات. وتساعد الحلول التمويلية المرتبطة بالعقود على تخفيف الضغط النقدي، متى استندت إلى تقييم جيد لجدوى المشروع وقدرة إدارته على التنفيذ وفهم دورة العمل ومخاطرها.وفي الوقت نفسه، يحمي انتظام دفع المستحقات استقرار الموردين. فتأخر السداد قد يضعف منشأة محلية قادرة، ويحد من قدرتها على شراء المواد أو الاحتفاظ بالموظفين. ولذلك فإن بناء سلسلة إمداد مستقرة يتطلب علاقة تجارية عادلة، تتضح فيها الالتزامات ومواعيد الدفع، ويحصل فيها المورد الجيد على فرصة للاستمرار والتوسع. وتظل الجودة شرطا أساسيا في جميع هذه المراحل، لأن المنتجات العسكرية تستخدم في ظروف حساسة، وقد تكون نتائج الخلل فيها كبيرة. ويحتاج دعم الصناعة الوطنية إلى اختبارات دقيقة واعتماد واضح وتوثيق مستمر، حتى ترتبط ثقة الجهات المستفيدة بأداء مثبت، وينمو الطلب على المنتج المحلي نتيجة جودته وقدرته على تلبية الاحتياج. وتبدأ هذه الجودة داخل المصنع، من تأهيل العاملين وصيانة أدوات القياس ومتابعة مصادر المواد إلى توثيق مراحل التصنيع واكتشاف الأخطاء قبل التسليم. فالمنشأة الناجحة تستطيع تكرار المستوى نفسه من الأداء مع زيادة الكميات وتعدد العقود، وتعالج أسباب الخلل بما يمنع تكراره ويحافظ على ثقة عملائها.

ويقود ذلك إلى العنصر الأهم في البناء الصناعي، وهو الإنسان. فالمعدات تحتاج إلى مهندسين وفنيين ومختصي جودة وإمداد وإدارة مشروعات يعملون ضمن فرق مترابطة. وتوظيف الخريج بداية لمسار من التدريب والممارسة، تتدرج خلاله مسؤولياته وتزداد خبرته، حتى يصبح قادرا على حل المشكلات والمشاركة في تطوير العمل.

وفي إعلان للهيئة خلال فبراير 2024، قدرت فرص العمل المتوقعة بحلول 2030 بنحو 40 ألف فرصة مباشرة و60 ألف فرصة غير مباشرة، كما قدرت مساهمة القطاع المتوقعة في الناتج المحلي بنحو 93.75 مليار ريال. وهي توقعات مستقبلية مرتبطة بموعد إعلانها، وتحتاج إلى متابعة دورية تميز بين النتائج المتحققة والأهداف والتقديرات. وتزداد قيمة هذه الوظائف عندما تمنح أصحابها مهارات متقدمة ومسارات واضحة للتطور. ولهذا ينبغي أن يشمل تقييم برامج التوظيف اكتساب الكفاءة والاستمرار في العمل وزيادة الإنتاجية، إلى جانب أعداد الموظفين. فكل مهارة جديدة ترفع قدرة المنشأة على تنفيذ أعمال أكثر تعقيدا، وتدعم فرص نمو الأجور وتحسن جودة الفرص المهنية. ويتطلب إعداد هذه الكفاءات تعاونا مبكرا بين الشركات والجامعات والكليات التقنية، حتى ترتبط البرامج التعليمية باحتياجات المصانع. ويمكن الجمع بين الدراسة والتدريب العملي، وإتاحة فرص للطلاب للتعرف على متطلبات السلامة والجودة والتشغيل. وبذلك تقل الفجوة بين التخرج والعمل، وتشارك الشركات في إعداد الكفاءات التي تحتاج إليها. وتسهم الخبرات الدولية في تسريع التعلم عندما ترتبط بخطط واضحة لتأهيل الموظفين الوطنيين وتوثيق المعرفة داخل المنشأة. فالخبرة تصبح أكثر استدامة حين تتحول إلى إجراءات عمل ومهارات موزعة على فريق يستطيع مواصلة الأداء وتدريب موظفين جدد والمشاركة في تطوير الإنتاج والصيانة والفحص.

ويستحق العمل الفني اهتماما يوازي أثره في المصنع. فالفني يشغل الآلات وينفذ الأعمال الدقيقة ويكشف الأعطال ويفحص المنتجات، وتؤثر مهارته مباشرة في الجودة والإنتاجية. ومن الضروري توفير تدريب وأجور ومسارات مهنية تشجع الشباب على دخول هذه التخصصات والاستمرار فيها، وتحافظ على الخبرات التي تبنيها المنشآت بمرور السنوات. ومع نمو المصانع، تتوسع فرص الأنشطة المساندة، مثل النقل والمستودعات والطاقة والخدمات الهندسية والأنظمة الرقمية. ويتطلب تعظيم هذا الأثر معرفة ما تستطيع السوق المحلية توفيره وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تطوير، حتى ترتفع مشاركة الموردين المحليين ويصل أثر الإنفاق العسكري إلى قاعدة أوسع من الأعمال. ويأتي البحث والتطوير ليعمق هذه المشاركة ويمنحها قيمة أعلى. وتزداد جدواه عندما يركز على مشكلة واضحة، مثل تطوير مادة أو برنامج أو طريقة فحص. وعندما يشترك المصنع والباحث والجهة المستفيدة في تحديد الهدف، تتحسن فرصة الوصول إلى نتيجة قابلة للاستخدام، يمكن قياس أثرها في الجودة أو التكلفة أو سرعة التنفيذ. وتحتاج الأفكار الجديدة إلى مسار يصل بها من المختبر إلى الإنتاج، يبدأ بإثبات الفكرة، ثم تطوير نموذج واختباره وتأهيله. ويساعد التمويل المرحلي المرتبط بالنتائج على تقليل التعثر، خاصة مع مشاركة خبرات التصنيع منذ البداية، حتى يراعي التطوير متطلبات الإنتاج والتكلفة وإمكانية التوسع.

كما ينبغي أن تكون حقوق الملكية الفكرية واضحة في الشراكات التقنية، بما يشمل استخدام المنتج وتعديله وتسويقه وحدود التزامات الأطراف. فهذا الوضوح يحمي الاستثمار في المعرفة، ويقلل الخلافات، ويتيح الاستفادة من نتائج التطوير في بناء قدرات محلية قابلة للنمو. وتحتاج هذه المعرفة إلى حماية داخل المنشآت ولدى الموردين. فالتصميمات وبيانات التشغيل وسجلات الجودة أصول مهمة، تتطلب أنظمة مناسبة وتدريبا للموظفين وضبطا للصلاحيات. وتزداد أهمية ذلك مع توسع تبادل الملفات والربط بين الشركات، لأن حماية المعلومات جزء من استمرارية العمل والحفاظ على الخبرة وتنفيذ الالتزامات دون تعطيل.

ولمتابعة هذا المسار بصورة دقيقة، من المفيد نشر مؤشرات اقتصادية مجمعة توضح تطور الإنتاج والتوظيف والاستثمار والصادرات ومشاركة الموردين، مع حماية المعلومات الحساسة. وتساعد هذه البيانات على تقييم البرامج وفهم الفرق بين الاتفاقيات الموقعة والمشروعات المنتجة، وبين الفرص المستقبلية والنتائج الفعلية. وتحتاج قراءة هذه المؤشرات إلى التمييز بين المساهمة في الناتج المحلي والإيرادات وقيمة العقود؛ فكل منها يقيس جانبا مختلفا، ولا يصح جمعها أو استخدامها بالمعنى نفسه. ويساعد وضوح التعريفات والفترات الزمنية على تقييم القيمة التي يضيفها القطاع للاقتصاد ومدى تقدمه نحو المستهدفات المعلنة. ويمتد التقييم إلى تكلفة المنتجات طوال سنوات استخدامها. فقد يكون سعر الشراء منخفضا، ثم ترتفع التكلفة بسبب الصيانة والتحديث أو صعوبة الحصول على الدعم. ولهذا يجب أن تجمع المفاضلة بين السعر والجودة وتكاليف التشغيل واستمرارية الإمداد، مع تقدير المنافع الاستراتيجية للإنتاج المحلي وفق أسس واضحة.

ومع تطور هذه القدرات، يصبح التصدير فرصة لتوسيع الأسواق وزيادة الإنتاج. لكنه يحتاج إلى جودة موثوقة وخدمة مستمرة والتزام بالعقود والضوابط المنظمة. فالعميل يبحث عن شركة تستطيع دعمه طوال فترة الاستخدام، وتبني سمعتها عبر الوفاء بالتزاماتها وتقديم المستوى نفسه من الجودة في كل طلب جديد. وتستطيع الشراكات الدولية دعم هذا التوسع بفتح المجال أمام الموردين الوطنيين للمشاركة في سلاسل إمداد أوسع. وكلما حصلت الشركة المحلية على دور أكبر، تحسنت فرص تعلمها واستثمارها في الموظفين والمعدات والتطوير، وأصبحت أكثر قدرة على خدمة السوق السعودية والوصول إلى أسواق خارجية.

إن نجاح توطين الصناعات العسكرية يظهر عندما تتحول الاتفاقيات إلى إنتاج، والتدريب إلى مهارات، والاستثمارات إلى منشآت قادرة على الاستمرار والمنافسة. ومع تعمق هذا المسار، تتصل جاهزية القوات بقدرة الصناعة الوطنية، وتتحول القوة الشرائية إلى قوة إنتاجية تسند أمن السعودية واقتصادها وسيادتها. وهذا البناء يحتاج إلى نفس طويل وإرادة ثابتة، تجعل كل إنجاز قاعدة لما بعده، وكل خبرة مكتسبة معرفة تنتقل إلى الأجيال المقبلة. فالمصنع الذي ينتج اليوم يفتح غدا بابا للتطوير، والمهندس الذي يكتسب التقنية يستطيع أن يعلم غيره، والشركة التي تثبت قدرتها تمنح الاقتصاد موردا جديدا للنمو. ومن هنا تتسع مسؤولية حماية الوطن لتشمل ميادين العمل والتعليم والبحث والإنتاج؛ فالجندي يحرس الحدود، والمهندس يعزز قدرته، والفني يضمن جاهزية معداته، والباحث يطور حلول المستقبل. وبهذا التكامل تبني السعودية قوة متجددة، تستجيب للتحديات بثقة، وتحفظ مكتسباتها بقدرات أبنائها، وتمنح قرارها الوطني سندا راسخا من المعرفة والإنتاج والاستعداد الدائم لحماية مصالحها وصون أمنها ومستقبل أجيالها. وتبقى للسعودية قوة لا تصنعها المصانع ولا تشترى بالمال: شعب يرى في ترابها كرامته، وفي رايتها عهده، وفي الدفاع عنها شرفه. انتماء يظهر حين تستدعي المسؤولية رجالا يقدمون الواجب على الراحة، ويضعون أمن الوطن فوق مصالحهم، ويقفون خلف قيادتهم صفا واحدا، تسندهم قلوب ملايين السعوديين وإرادتهم. وفي أرضها الحرمان الشريفان، وحمايتهما وخدمة قاصديهما أمانة يحملها السعوديون بإيمان واعتزاز. هنا تجتمع حرمة المقدسات وسيادة الوطن ومستقبل الأجيال؛ تحرسها قوة تتطور، وصناعة تنمو، وشعب لا يساوم على أرضه. هذه السعودية: يشتد عزمها كلما عظم التحدي، ويظل أبناؤها درعها الذي لا ينكسر؛ للوطن وفاؤهم، ولحمايته علمهم وعملهم وأرواحهم.

 

نقلا عن الرياض