عندما يتغير السوق.. يجب أن يتغير المؤشر
«ليس المهم أن تقيس الشيء، بل أن تعرف ماذا تقيس.»
قبل نحو عقدين، كان الحديث عن السوق المالية السعودية يدور في الغالب حول سؤال بسيط: كيف نقيس أداء السوق؟ كان المؤشر العام لتداول هو المرآة الرئيسية التي ينظر من خلالها المستثمر إلى السوق، وكان من الطبيعي أن يقارن مدير الاستثمار أداء محفظته به، وأن يستخدمه المستثمر للحكم على اتجاه السوق.
لكن الأسواق لا تبقى كما هي. فما كان مناسبًا لقياس سوق محلية محدودة الأدوات والمشاركين قد لا يكون كافيًا لقياس سوق أصبحت أكثر عمقًا وتنوعًا وانفتاحًا على العالم. ولهذا فإن النقاش حول كفاءة المؤشر وتمثيله لا ينبغي أن يتوقف عند تصميم المؤشر نفسه، بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكبر: هل المؤشر الذي نقيس به السوق اليوم ما زال يعكس طبيعة السوق التي نريدها غدًا؟ وهنا تبدأ قصة جديدة.
من سوق الأسهم إلى منظومة مالية متكاملة
شهدت السوق المالية السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولًا كبيرًا، فلم تعد مجرد مكان لشراء وبيع الأسهم. فقد توسعت سوق الصكوك والسندات، وتطورت الصناديق المتداولة، وظهرت أدوات جديدة للمستثمرين، وتطورت البنية التحتية للمقاصة والتسوية، وبدأت سوق المشتقات تأخذ مكانها في المنظومة.
والأهم أن السوق دخلت مرحلة جديدة في 1 فبراير 2026 عندما فتحت هيئة السوق المالية السوق الرئيسية أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب للاستثمار المباشر، وألغت مفهوم المستثمر الأجنبي المؤهل (QFI) في السوق الرئيسية، كما ألغت الإطار التنظيمي لاتفاقيات المبادلة كطريق للوصول الاقتصادي إلى الأسهم. ودخول المستثمر العالمي يعني دخول مدارس مختلفة في الاستثمار وإدارة المخاطر؛ إذ قد ينظر إلى السوق من زاوية مختلفة عن المستثمر المحلي، وقد يستخدم المؤشرات ليس فقط لمعرفة اتجاه السوق، وإنما لبناء محفظة، أو مقارنة أداء مدير، أو بناء ETF، أو التحوط من المخاطر، أو الدخول في عقد مستقبلي. وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية: هل صممنا مؤشرات السوق فقط لكي تصف السوق، أم صممناها أيضًا لكي تساعد على الاستثمار فيها؟
المستثمر الأجنبي يغير المعادلة
فتح السوق أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب يجعل هذه القضية أكثر إلحاحًا. فالمستثمر المحلي يعرف السوق السعودي بدرجات مختلفة، وقد يقارن سهمًا بسهم أو قطاعًا بقطاع، أما المستثمر العالمي فيبدأ غالبًا من إطار مختلف؛ فهو يقارن السعودية بالأسواق الناشئة، ويقارن أداء مدير الاستثمار بمؤشرات دولية، ويقيس المخاطر بالعملة الأجنبية، وينظر إلى السيولة وقابلية الاستثمار والتذبذب والتركّز، وقد يدخل السوق السعودية ضمن محفظة عالمية تضم عشرات الدول.
ولذلك يجب ألا نكتفي بسؤال: كيف نجذب المستثمر الأجنبي؟ بل نسأل أيضًا: هل نقدم له الأدوات التي يحتاجها لكي يستثمر ويدير المخاطر بكفاءة؟
المستثمر الجديد لا يريد «رقمًا» فقط
المستثمر التقليدي يسأل في الغالب: هل ارتفع المؤشر أم انخفض؟ أما مدير الاستثمار العالمي فتتسع أسئلته: ما درجة تمثيل المؤشر للاقتصاد، وما حجم الأسهم القابلة للاستثمار فعليًا، وما مستوى السيولة، وما تركّز المؤشر والمخاطر القطاعية فيه؟ وما تكلفة تتبعه، وهل يمكن التحوط من مخاطره، وهل يمكن بناء منتج استثماري عليه؟
وهنا تتحول وظيفة المؤشر، فلم يعد مجرد مرآة للسوق؛ إذ يمكن أن يصبح معيارًا مرجعيًا (Benchmark)، ثم صندوقًا متداولًا (ETF)، ثم عقدًا مستقبليًا (Futures)، ثم أداة للتحوط وإدارة المخاطر. وهذا التحول مهم لأن المؤشر الذي يمكن الاستثمار فيه والتحوط من خلاله يصبح جزءًا من البنية التحتية للسوق، وليس مجرد رقم يظهر على شاشة التداول.
من Benchmark إلى Investment Instrument
وتظهر أهمية هذا التحول في التطور الذي يحدث اليوم في سوق المشتقات السعودية. فقد أطلقت السوق السعودية سوق المشتقات في 2020، وتطورت منتجاتها تدريجيًا، ومن بينها العقود المستقبلية على مؤشر MT30 والعقود المستقبلية على الأسهم المفردة. وفي أغسطس 2026 دخلت السوق مرحلة جديدة من التطوير، شملت إعادة هيكلة إطار صناعة السوق، وخفض رسوم التداول والمقاصة والرسوم التنظيمية، مع إعفاء رسوم تداول العقود المستقبلية ورسوم التسوية النهائية لمدة عام، كما أُدخلت تحسينات على العقود المستقبلية للأسهم المفردة وآليات احتساب الهامش بهدف تحسين كفاءة رأس المال. وفي الشهر نفسه بدأت صناعة السوق على العقود المستقبلية على مؤشر MT30 والعقود المستقبلية للأسهم المفردة، بمشاركة مؤسسات مالية محلية ودولية، بهدف دعم السيولة وتوفير عروض وطلبات أكثر انتظامًا.
وهذه خطوة مهمة، ليس لأن المشتقات تضيف منتجًا جديدًا فقط، بل لأنها تغير طريقة استخدام المؤشر نفسه؛ فالمؤشر الذي كان يستخدم لقياس السوق يمكن الآن أن يصبح أساسًا لعقد مستقبلي، أي أنه ينتقل من أداة للقياس إلى أداة للاستثمار وإدارة المخاطر.
المشتقات تختبر جودة المؤشر
عندما يكون المؤشر مجرد رقم إحصائي، يمكن أن نختلف حول طريقة بنائه، لكن أثر هذا الاختلاف قد يبقى محدودًا. أما عندما يصبح أساسًا لعقد مستقبلي فإن الأمر يتغير، لأن المستثمر سيضع أموالًا حقيقية على أساس ذلك المؤشر. وعندها تصبح الأسئلة عملية: هل المؤشر سائل، وهل يمثل السوق، وهل يمكن تسعيره بكفاءة والتحوط منه، وهل هناك صانع سوق، وهل الفارق بين أسعار الشراء والبيع مقبول؟ وهكذا تصبح جودة المؤشر جزءًا من جودة المنتج المالي نفسه، وهذا ما يجعل التطور الحالي في سوق المشتقات السعودية مهمًا بالنسبة إلى موضوع المؤشرات.
ماذا يعني ذلك لمدير الاستثمار؟
لنأخذ مثالًا بسيطًا: مدير صندوق سعودي يمتلك محفظة أسهم بقيمة 100 مليون ريال، وحققت المحفظة في نهاية العام عائدًا قدره 8%. للوهلة الأولى قد يبدو الرقم جيدًا، لكن إذا حقق المؤشر المرجعي 12% فهناك فرق واضح. ثم نكتشف أن المدير احتفظ بنسبة 20% نقدًا، أو أن تركيبته القطاعية مختلفة عن المؤشر، أو أنه استخدم عقودًا مستقبلية للتحوط أثناء فترة معينة، وهنا يصبح تقييم الأداء أكثر تعقيدًا. فهل نقول إن المدير حقق 8% فقط، أم نسأل: كم عائدًا حقق مقابل مستوى المخاطر التي تحملها؟
وهنا تظهر أهمية الانتقال من قياس العائد المطلق إلى قياس العلاقة بين العائد والمخاطر، ويمكن أن نستخدم لذلك أدوات مثل Sharpe Ratio وInformation Ratio وTracking Error وDownside Risk وMaximum Drawdown. لكن الهدف ليس تحويل المقال إلى درس في القياس الكمي؛ فالفكرة أبسط من ذلك: المؤشر الواحد لا يستطيع أن يروي القصة كاملة.
المؤشر الجيد لا يخبرك أين تذهب فقط.. بل يساعدك على معرفة كيف تذهب
وهذه ربما هي النقلة الفكرية التي تحتاجها السوق السعودية. فالمؤشر التقليدي يقول لنا إن السوق ارتفع 10%، أما منظومة المؤشرات الحديثة فتستطيع أن تخبرنا بأكثر من ذلك: أن الشركات عالية الجودة حققت أداءً مختلفًا، وأن الأسهم منخفضة التقلب تصرفت بشكل مختلف، وأن قطاعًا معينًا كان المحرك الرئيسي للعائد. وتستطيع أن توضح أن المستثمر الذي تحوط من انخفاض السوق تحمل تكلفة معينة مقابل تقليل المخاطر، وأن المدير الذي تفوق على المؤشر فعل ذلك مع مستوى مختلف من المخاطر. وهكذا ننتقل من رقم واحد إلى لغة كاملة لفهم السوق.
من المؤشر الواحد إلى «عائلة المؤشرات»
ربما تكون الخطوة القادمة في السوق السعودية ليست البحث عن مؤشر واحد «مثالي»، وإنما تطوير عائلة من المؤشرات تخدم أغراضًا مختلفة. فيمكن أن يكون لدينا مؤشر للسوق الواسع يقيس أداءه، ومؤشر للشركات الكبرى يركز على الشركات ذات القيمة والسيولة الأكبر، ومؤشر للعائد الكلي يقيس ارتفاع الأسعار بالإضافة إلى توزيعات الأرباح، ومؤشر منخفض التقلب للمستثمر الذي يعطي أهمية أكبر للاستقرار. ويمكن أن تضاف إليها مؤشرات العوامل الاستثمارية: Quality للشركات ذات جودة الأرباح والميزانيات القوية، وValue للشركات التي تبدو منخفضة التقييم وفق معايير محددة، وGrowth للشركات ذات معدلات النمو المرتفعة، وSmart Beta الذي يجمع بين منهجية المؤشرات التقليدية وعوامل استثمارية محددة.
والهدف هنا ليس زيادة عدد المؤشرات لمجرد الزيادة، بل أن يصبح لكل مؤشر وظيفة استثمارية واضحة، وقد يصبح كل مؤشر منتجًا يمكن تداوله.
ماذا تعلمنا من الأسواق العالمية؟
في الأسواق المتقدمة، لم يعد المستثمر ينظر إلى المؤشر باعتباره مجرد متوسط لأسعار الأسهم، فقد ظهرت مؤشرات مبنية على القيمة، والجودة، والزخم، وانخفاض التقلب، والعائد الكلي، وغيرها من العوامل. وهذه الفكرة ارتبطت بأعمال عدد من الباحثين والممارسين في الاستثمار الكمي، ومن بينهم Robert Arnott في أبحاث وممارسات المؤشرات البديلة، كما ساهمت أعمال أكاديمية واسعة في ترسيخ مفهوم أن خصائص الشركات والعوامل الاستثمارية يمكن أن تؤثر في العائد والمخاطر. لكن الدرس الأهم ليس أن نقلد الأسواق الأخرى، بل أن المؤشر يجب أن يتطور مع تطور احتياجات المستثمر.
هل نحتاج إلى مزيد من المؤشرات في السعودية؟
ربما نعم، ولكن بشرط أن نسأل قبل إطلاق أي مؤشر: من سيستخدمه، وما القرار الذي سيساعده على اتخاذه؟ وهل يمكن الاستثمار فيه أو التحوط من خلاله؟ وهل يمثل مجموعة واضحة من المخاطر أو الفرص؟ وهل يستطيع مدير الاستثمار استخدامه كمؤشر مرجعي (Benchmark) عادل؟ هذه الأسئلة أهم من عدد المؤشرات الموجودة.
السوق السعودي أمام فرصة جديدة
السوق السعودية اليوم أكبر وأكثر تنوعًا من السوق التي عرفناها قبل سنوات، لكن حجم السوق ليس وحده معيار التطور. فالسوق المتقدمة ليست السوق التي تتداول فيها أموال أكثر فقط، وإنما السوق التي توفر للمستثمر معلومات أفضل، ومؤشرات أفضل، وسيولة أفضل، وأدوات أفضل، ووسائل أفضل لإدارة المخاطر. وهنا يمكن أن يكون للمؤشرات دور أكبر بكثير مما نتصور.
من «مؤشر السوق» إلى «بنية السوق»
ربما يكون أكبر تحول يجب أن ننتبه إليه هو أننا لم نعد نتحدث عن مؤشر بمعناه القديم، بل عن منظومة تبدأ بالمؤشر، ثم الصندوق المتداول، ثم المشتقات، ثم التحوط، ثم إدارة المخاطر، ثم تخصيص الأصول. وعندما تكتمل هذه السلسلة يصبح المؤشر جزءًا من البنية التحتية للاستثمار، وهنا تتغير مسؤولية مصممي المؤشرات؛ فهم لا يحددون فقط كيف نرى السوق، بل يحددون، بصورة غير مباشرة، كيف يستطيع المستثمر أن يتعامل مع السوق.
الخلاصة: لا تقيس سوق الغد بأدوات الأمس
بدأنا هذه السلسلة بسؤال عن الكفاءة والتمثيل، ثم انتقلنا إلى أهمية الابتكار. واليوم، مع انفتاح السوق السعودية أمام المستثمرين العالميين وتطور سوق المشتقات، أعتقد أن السؤال أصبح أكبر: إذا تغير السوق، فهل يجب أن يتغير المؤشر معه؟
الإجابة ليست في استبدال مؤشر بآخر، ولا في زيادة عدد المؤشرات لمجرد الابتكار، بل في بناء مؤشرات تؤدي وظائف واضحة، وتخدم المستثمر، وتساعد مدير الاستثمار على قياس الأداء، وتسمح بتطوير المنتجات الاستثمارية وإدارة المخاطر. فالمؤشر الجيد لا ينبغي أن يكون مجرد مرآة للسوق، بل يمكن أن يصبح لغة السوق. ومع تطور السوق السعودية، ربما نحتاج إلى الانتقال من التفكير في (مؤشر يقيس السوق) إلى التفكير في (منظومة مؤشرات تساعد على الاستثمار في السوق).
فالسوق التي تستقطب المستثمر العالمي تحتاج إلى أكثر من رأس المال؛ تحتاج إلى أدوات يفهمها المستثمر، ومؤشرات يثق بها، ومنتجات يستطيع أن يستثمر ويتحوط من خلالها. وفي النهاية، لا يمكن أن نبني سوق الغد بأدوات صممت لسوق الأمس، فكما تتغير الشركات وتتغير الأسواق وتتغير أدوات الاستثمار، يجب أن تتطور معها الطريقة التي نقيس بها النجاح.
خاص_الفابيتا


