الحوكمة: من مجرد "نظام" إلى درع واقٍ لاستدامة المنشآت

12/10/2026 0
د. عبد العزيز بن سعد الدغيثر

في ظل القفزات النوعية التي تشهدها المملكة ضمن رؤية 2030، لم تعد "الحوكمة" خيارا ترفيهيا أو إجراء إداريا عابرا، بل أصبحت حجر الزاوية لضمان استمرارية المنشآت وحمايتها من العواصف المالية والإدارية.

ما هي الحوكمة ولماذا يتردد صداها اليوم؟

الحوكمة هي "ميزان العدالة" داخل المنشأة؛ فهي مجموعة القواعد التي تضبط العلاقة بين الإدارة من جهة، والملاك وأصحاب المصالح من جهة أخرى. تهدف ببساطة إلى ترسيخ الشفافية، المساءلة، والرقابة، لتجنب مصير شركات عالمية كبرى تهاوت بسبب ضعف الرقابة وانفصال الملكية عن الإدارة.

الحوكمة في المنظم السعودي: رحلة نحو الريادة 

عزز المنظم السعودي معايير الحوكمة بدءا من لوائح هيئة السوق المالية وصولا إلى نظام الشركات الجديد 2022، لتشمل جميع القطاعات وفق المتطلبات التالية:

أولا: لوائح حوكمة الشركات (المساهمة والمحدودة) 

بموجب المادة (274) من نظام الشركات، يجب صياغة لوائح تنظم العلاقة بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية، وأبرزها:

لائحة عمل مجلس الإدارة: تحدد الصلاحيات والمسؤوليات.

لائحة لجنة المراجعة: لضمان سلامة التقارير المالية والرقابة.

لائحة لجنة الترشيحات والمكافآت: لتنظيم اختيار القيادات وتعويضاتهم.

لائحة إدارة المخاطر: للتنبؤ بالأزمات قبل وقوعها.

سياسة تعارض المصالح: لمنع استغلال المنصب لتحقيق مكاسب شخصية.

ثانيا: لوائح المنشآت غير الربحية (الأوقاف والمؤسسات الأهلية) 

لضمان استدامة الأثر وحماية أموال الواقفين والمستفيدين، تلتزم هذه المنشآت بـ:

اللائحة الأساسية للمنشأة: وهي "دستور" العمل الداخلي.

لائحة تنظيم أعمال النظارة: (خاصة بالأوقاف) لضبط تصرفات النظار.

سياسة الإفصاح والشفافية: لإطلاع أصحاب المصلحة على سير العمل.

سياسة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب: للامتثال للمعايير الوطنية والدولية.

سياسة الإبلاغ عن المخالفات (الصافرة): لحماية المبلغين وتعزيز النزاهة.

ثالثا: حوكمة القطاع العام

استنادا إلى الدليل الإرشادي لحوكمة الجهات العامة (1446هـ)، تركز اللوائح هنا على:

هيكلة اللجان الدائمة.

تحديد مؤشرات قياس الأداء (KPIs).

ضمان استقلالية وحدات المراجعة الداخلية.

أين تكمن المخاطر؟ 

غياب لوائح الحوكمة عن المنشآت يعني فتح الباب أمام:

تعارض المصالح والفساد المالي والإداري.

تغول كبار المساهمين على حقوق الصغار.

الخلل التنفيذي وضياع المسؤوليات بسبب عدم تقيد السلطات.

دور المحامي المختص: مهندس النظم لا مجرد كاتب عقود!

إن بناء هيكل حوكمة متين لا يتم بنماذج جاهزة، بل بصياغة قانونية دقيقة تلبي احتياجات المنشأة وتوافق الأنظمة، وتشمل:

للشركات: صياغة عقود التأسيس، ولوائح لجان المراجعة، والمخاطر، والمكافآت.

للأوقاف والمنشآت الأهلية: وضع سياسات الإفصاح، مكافحة غسل الأموال، وحماية البيانات.

قوة المنشأة تبدأ من سلامة إجراءاتها، والامتثال ليس عبئا بل هو استثمار في السمعة والأمان القادم.

 

خاص_الفابيتا