قد تنجح دولة في جذب أرباح الشركات دون أن تستقطب مصانعها أو موظفيها أو حتى استثماراتها الفعلية. فقد أتاحت الفروق الضريبية بين الدول للشركات متعددة الجنسيات تسجيل جزء من أرباحها حيث تكون الضرائب أقل، بينما بقي النشاط الاقتصادي الذي أنتج تلك الأرباح في مكان آخر. لكن هذه المعادلة بدأت تتغير؛ فالقواعد الدولية التي استهدفت الحد من نقل الأرباح بين الدول جعلت المنافسة الضريبية أكثر ارتباطا بموقع الاستثمار الفعلي، لا بمكان تسجيل الأرباح فقط.
وهذا التحول تؤكده دراسة حديثة لصندوق النقد الدولي صدرت في أكتوبر 2026، وجدت أن حساسية الأرباح المعلنة للفروق الضريبية تراجعت، بينما ازدادت حساسية الاستثمار الحقيقي لها. وتقدر الدراسة أن ارتفاع ضريبة الشركات نقطة مئوية واحدة مقارنة بالدول المنافسة يرتبط بانخفاض تراكمي في تدفقات الاستثمار الأجنبي يعادل نحو 0.5% من الناتج المحلي خلال 3 سنوات.
والمفارقة هنا أن التشريعات التي سعت إلى الحد من انتقال الأرباح محاسبيا، قد تجعل انتقال النشاط الاقتصادي نفسه أكثر أهمية في المنافسة بين الدول. وهكذا لم تعد المسألة أين تسجل الشركات أرباحها فقط، بل أين تجد الجدوى الأكبر لاستثماراتها؟
بريطانيا تقدم مثالا يستحق التأمل. ففي أبريل 2023 رفعت ضريبة الشركات الرئيسية من 19% إلى 25%، لكنها في المقابل أتاحت خصما فوريا يصل إلى 100% من تكلفة بعض الآلات والمعدات الجديدة المؤهلة، وجعلت هذا النظام دائما لاحقا.
المفارقة هنا أن الدولة رفعت الضريبة على الأرباح، لكنها خففت العبء الضريبي المرتبط بالاستثمار الإنتاجي الجديد. وهي تجربة لا تكفي وحدها لإثبات نجاح السياسة، لكنها توضح الفرق بين تخفيض الضرائب عموما، وتوجيه الحوافز نحو تكوين أصول منتجة.
ولا تتوقف آثار هذه المنافسة عند حدود الدول، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي. فالحوافز الضريبية قد تشجع على إقامة مشروعات جديدة وتزيد الاستثمار والإنتاج، لكنها قد تدفع أيضا إلى نقل استثمارات قائمة أو مخطط لها من دولة إلى أخرى دون إضافة مماثلة للطاقة الإنتاجية العالمية. والمفارقة أن الدول قد تتسابق في تقديم إعفاءات أكبر، فتتنازل عن إيرادات عامة كان يمكن توجيهها للبنية التحتية والتعليم، بينما لا يرتفع الاستثمار العالمي بالقدر نفسه.
بل قد تتأثر كفاءة توزيع رأس المال عندما يصبح الحافز الضريبي، لا الميزة الإنتاجية، هو العامل الحاسم في اختيار موقع المشروع. وهنا لا يعود السؤال عن حجم الاستثمار الذي نجحت كل دولة في جذبه، بل عن مقدار الاستثمار الجديد الذي أضافته هذه المنافسة للاقتصاد العالمي، وما إذا كانت مكاسبه تتجاوز تكلفتها.
أما في السعودية، فإن التحول في طبيعة المنافسة الضريبية عالميا يفتح زاوية مهمة حول كيفية تعزيز جاذبية المملكة للاستثمارات الأجنبية. فالمستثمر لا ينظر إلى معدل الضريبة وحده، بل إلى العائد المتوقع من المشروع بعد احتساب تكاليف التشغيل والتمويل والنقل، ومدى توفر البنية التحتية والمهارات والأسواق التي يستطيع الوصول إليها. ولهذا فإن الموقع الجغرافي للمملكة، وحجم سوقها، وتوفر الطاقة، وتطور منظومتها اللوجستية، تمثل عناصر يمكن البناء عليها في استقطاب استثمارات تتجاوز مجرد انتقال رأس المال.
ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين الحوافز الاستثمارية والمزايا الاقتصادية طويلة الأجل. فالحافز قد يشجع المستثمر على اتخاذ القرار، لكن استمراره وتوسعه يرتبطان بجدوى المشروع وقدرته على المنافسة. كما أن استقطاب سلاسل الإمداد والموردين ومراكز التطوير المرتبطة بالاستثمارات الأجنبية يتيح فرصا أوسع لتعميق القيمة المضافة المحلية. والفرصة هنا ليست في منافسة الدول على تقديم الحافز الأكبر، بل في جعل الاستثمار داخل المملكة أكثر جدوى حتى بعد انتهاء الحافز.
في النهاية، ليست المنافسة الحقيقية بين الدول على من يقدم الضريبة الأقل، بل على من يوفر البيئة التي تجعل الاستثمار أكثر جدوى واستمراراً. فنجاح الدولة لا يبدأ فقط عندما يدخل رأس المال إليها، وإنما عندما يتحول إلى نشاط اقتصادي قادر على النمو حتى بعد انتهاء الحوافز التي جذبته.
نقلا عن الاقتصادية


