استوقفتني في مقابلة معالي الأستاذ مازن السديري على «العربية بزنس» وصية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عند تكليفه برئاسة مجلس هيئة السوق المالية، حين نقل أن التوجيه كان واضحا: «خلق العدالة». كلمات قليلة تختصر مسؤولية كبيرة، وتضع أمام رئيس الهيئة معيارا واضحا لنجاح مهمته، يتمثل في حماية الحقوق وترسيخ الثقة في السوق.
تكتسب هذه الوصية قيمتها من ارتباط السوق المالية بأموال الناس وتطلعاتهم. فخلف المحافظ الاستثمارية مدخرات جُمعت عبر سنوات، وأسر تخطط لمستقبل أبنائها، ومتقاعدون يبحثون عن دخل يعينهم على الحياة. ولذلك، فإن عدالة السوق قضية اقتصادية واجتماعية، يتجاوز أثرها حركة المؤشر اليومية إلى شعور المواطن بالأمان على حقوقه ومدخراته.
وفي قراءتي لهذه الوصية، تبدأ العدالة من المعلومة؛ أن تصل إلى الجميع في الوقت نفسه، وأن تكون واضحة وكافية لفهم واقع الشركة ومخاطرها. فالمستثمر يحتاج إلى إفصاح يشرح ما حدث وأثره المالي، ويتيح له المقارنة واتخاذ القرار. وكلما تحسنت جودة المعلومات، تقلصت مساحة الشائعات، وأصبح الاستثمار أقرب إلى التحليل وأبعد عن التخمين.
وتبرز أهمية العدالة في الطروحات الأولية، حيث يدخل المستثمر شريكا في شركة بناء على بيانات وتقييمات وتوقعات. وهنا ينبغي أن تكون المسؤوليات محددة، وأن يتحمل كل طرف تبعات دوره. وقد تحدث السديري عن إعادة تحديد مسؤوليات الأطراف المشاركة في الطرح، وهو توجه يمنح التفاؤل أساسا عمليا، لأن وضوح المسؤولية يفتح الطريق إلى مساءلة أكثر فاعلية.
فالطرح الناجح، في تقديري، يُقاس كذلك بجودة الشركة وقدرتها على الوفاء بما قدمته للمستثمرين من معلومات وخطط. أما المبالغة في التوقعات، أو تقديم صورة لا تعكس حقيقة المخاطر، فتترك أثرا يتجاوز الشركة نفسها إلى ثقة المستثمر في سوق الطروحات بأكملها. ولذلك، فإن حماية هذه الثقة مسؤولية مشتركة تستحق رقابة دقيقة ومستمرة.
وتمتد العدالة إلى داخل الشركات المدرجة، حيث يصبح احترام حقوق المساهمين أساسا للحوكمة. فالمساهم شريك، وله حق في معرفة كيف تُدار الموارد، ولماذا تُتخذ القرارات، وما العائد الذي تحقق مقابل الإنفاق والمكافآت. وتزداد أهمية ذلك عند التعامل مع الأطراف ذات العلاقة، أو اتخاذ قرارات قد تتعارض فيها مصالح الإدارة مع مصالح المساهمين.
وفي التداول، تتفاوت الإمكانات بين المؤسسات والأفراد، وتختلف الأدوات والخبرات وسرعة الوصول إلى التحليل. وهذا يضع على الجهة المنظمة مسؤولية ضمان نزاهة الممارسات، ومنع التلاعب، وتطبيق القواعد على الجميع. فالمستثمر الصغير يحتاج إلى الاطمئنان بأن حجم محفظته لا يقلل قيمة حقوقه، وأن قوة أي طرف لا تمنحه حصانة من المساءلة.
ولا تعني العدالة ضمان الأرباح، فالاستثمار يحتمل المكسب والخسارة. لكنها تعني أن يتخذ المستثمر قراره بناء على معلومات سليمة، وفي بيئة تحميه من التضليل والتجاوزات. وحين تقع المخالفة، يجد طريقا واضحا لاستعادة حقه، وإجراءات فعالة تعزز ثقته بأن الأنظمة تحميه وتُطبق دون استثناء.
وأرى أن أهمية وصية القيادة تكمن في قابليتها للتحول إلى نتائج يلمسها المتعاملون: إفصاح أفضل، ومسؤوليات أوضح، وحوكمة أقوى، ومساءلة تحفظ الحقوق. وهذه النتائج هي التي تمنح الإصلاح قيمته، وتزيد قدرة السوق على جذب المدخرات وتمويل الشركات ودعم الاقتصاد.
أمام السديري أمانة كبيرة، ومعها فرصة لبناء مرحلة تتجذر فيها الثقة عبر الممارسة اليومية. فالعدالة التي أوصت بها القيادة تحفظ المال، وتصون الحقوق، وتجعل المستثمر أكثر اطمئنانا إلى مستقبله. وعندما يلمس الناس أثرها، تصبح السوق أكثر قوة واستقرارا، ويصبح التفاؤل قائما على واقع يستحق الثقة.
نقلا عن الرياض


