هل فشل القطاع الخاص؟

01/10/2026 0
فواز حمد الفواز

تاريخيًا ولا يزال القطاع الخاص السعودي ناجح ومميز لسببين، الأول أن الحكومة تفادت السياسات الغوغائية التي أخذت بها عدة دول في المنطقة التي سوقت بأنها اشتراكية لخدمة العامة وانتهت بوبال عليها. السبب الثاني جودة فكر ومهارة التاجر العربي حين تتاح له أنصاف الفرص (سوف أرجع لدور التاجر وقدرات المجتمع إلى تحويله إلى رجل أعمال وحتى مبتكر). مع استمرار ارتفاع الإنفاق العام حدثت تغيرات ليست كلها إيجابية لأن من طبيعة البشر تجريبيًا استغلال ما يسميه Doug North  الطريق المعتاد، تعود التاجر ورجل الأعمال كما المستهلك والبيروقراطي على السهل المتاح في استغلال الإنفاق العام دون رفع إنتاجية أو حتى دقة في الاستثمارات أحيانًا، بل إن التأثير النفسي والمعنوي مهم وبتبعات يستسهل الكثير تجاوزها في جودة التعليم والعزوف عن الأعمال الفنية والربح السهل، وأحيانًا الربح من التستر بأنواعه الرمادية.

الكثير انطوى ربما بسبب موجة الاستشاريين الأخيرة أو بسبب الدور المالي المبالغ فيه (أيضًا أحد تبعات نمو الإنفاق العام) تحت اعتقاد أن الإدارة والمتابعة الاقتصادية في الأرقام المالية ومؤشرات أداء بعيدة، فمثلًا رأينا ممارسات في الأطروحات الأولية في سوق الأسهم تحاكي هذا الفهم من خلال التخارج دون إضافة قيمة حقيقية بالاستثمار في الشركات وتطويرها عن تصرفات الشركات الحقيقية والتي في الأخير لابد أن تترجم إلى روابط أفقية ورأسية لتكوين اقتصاد يتفاعل عضويًا، ويكون سلاسل إمداد تساعد القدرة على التصدير والمنافسة العالمية. من آن لآخر يعاد النقاش عن دور القطاع الخاص في التنمية والإدارة والمساهمة الاقتصادية. في هذا المقال الموسع نسبيًا أطرح رأي حول الموضوع، أتحدث من منظار عام كما أراه ولكن هناك اختلافات أحيانًا معتبرة في الأجزاء، وأيضًا هناك اختلاف في طرح الاقتصاديين وخاصة في تقسيم الاهتمام بين التنمية الاقتصادية والطرح الاقتصادي التقليدي. 

من أهم المساحات الاقتصادية العلاقة بين القطاع الخاص والحكومة- علاقة ضرورية تفاعلية، ينتابها أحيانًا النجاح وأحيانًا أخرى الشك والريبة بسبب التجاذب في المصالح والتي بطبعها أحيانًا مفيدة للكل (بمعنى تكبير القرص للجميع) وأحيانًا فئوية (مصالح في ظاهرها وطنية عامة ولكنها تميل لرجل الأعمال المتمصلح). النزعة للمصلحة من خلال ما يسميه الاقتصاديين الإيجار الاقتصادي- economic rent والذي يعرف بأنه العائد الذي فوق الفرصة البديلة- أي أن مصدر الربح أو جزء مهم منه ليس بسبب دور مميز من الشركة ولكن استغلال للقطاع العام. هذا يأخذ أشكال كثيرة بعضها في مناطق رمادية ويتطلب دقة في التحليل والدراسة، فمثلًا لابد من دراسة تجربة وكلاء السيارات مقارنة بمثيلاتهم في المنطقة.

 هناك مصالح واضحة مثل البنية التحتية التي تهم الجميع وتسهل وتقلل تكاليف الأعمال وهناك أشكال منها غير واضحة مثل استغلال الدعم أو الحماية الذي يقصد منه تشجيع مجال معين على أمل النهوض بصناعة ما، ولكن المستفيد من الدعم يريد الاستمرار بغض النظر عن دوره في ارتقاء سلم الإنتاجية وتكريس المعرفة الفنية والقدرة على المنافسة عالميًا.

العلاقة بين القطاعين ليست معادلة رياضية ثابتة أو محطة مثالية نصلها جميعًا ونبارك لبعض، وإنما متغيرة وديناميكية حسب الظروف الموضوعية التي منها دقة البوصلة التنموية والكفاءة في إدارة الموارد المادية والبشرية والتقريب مع الأهداف الوطنية العليا. فكما يقول أستاذ التنمية الاقتصادية الكوري Ha-Joon Chang النظام الرأسمالي هو الأمثل للتنمية ولكنه مختلف لكل بلد وكل مرحلة، فالرأسمالية في أمريكا تختلف عن السويد وهذه تختلف عن تايوان وكلها نماذج ناجحة، لذلك علينا إيجاد النموذج الناجح لنا، وهذا يتطلب يقظة ووعي ودقة ومساءلة تقع على عاتق النخب التكنوقراطية التي تدير الوزارات والتنظيمات المعلوماتية مثل هيئة الإحصاءات العامة والرقابية كالبنك المركزي وهيئة السوق المالية وهيئة الغذاء والدواء وغيرهم، والشركات العامة كأرامكو وسابك والاتصالات وشركة الصحة القابضة والكهرباء ومعادن وشركات الصناعات العسكرية وغيرهم.

هناك عدة معالم تحتاج رصد ودراسة لكي نظهر بتوصيات عملية.

 ١- لن يجري القطاع الخاص بسرعة أعلى من سرعة المنظمات العامة التي ذكرت أعلاه إلا في الأعمال التجارية والخدمية السهلة نسبيًا، وهذه غالبًا تعاني من تشبع وصل ضرره إلى سوء توظيف العقار كأحد إفرازات الإهمال المريح.

 ٢- تسارع الإنفاق العام والجري خلف تكبير حجم الدخل القومي الإجمالي جر إلى قطاع خاص في جزء مؤثر منه نفعي قائم على الاستقدام المشوه (سبق وأن طرحت موضوع العلاقة بين العمل والصناعة في العمود السابق في صحيفة أرقام). الرغبة في تضخيم الدخل القومي أخفت عيوب بعض الاستثمارات العامة وأرهقت التوسع في البنية التحتية وجعلت قياس الإنتاجية بين المثالي وغير الواقعي، في الأخير الإنتاجية هي أهم محرك اقتصادي، وبالتالي مسعى تدريجي يبدأ بالفعالية في إدارة الموارد.

 ٣- نظام التجارة العالمية في فوضى اليوم جزئيًا بسبب العلاقة التجارية بين أمريكا والصين وما يعتريها من خلافات - بيئة تسمح بسياسات انتقائية للدول الأعلى مرونة خاصة لبلد مثل السعودية لديه نجاح جيوسياسي إقليمي ودولي يتمثل في شبكة علاقات واسعة.

 ٤- هناك أنواع من أعمال القطاع الخاص جمعها تحت عنوان واحد يجعل التحليل غير ممكن والتوصيات غير عملية، لذلك يجب النظر بدقة، فقطاع المقاولات يتختلف عن تجارة السيارات، والتطوير العقاري يختلف عن تجارة الأراضي، وطب الأسنان الذي نبدي تباطؤ غير مفهوم في التعامل مع توطينه يختلف عن تقنية الدرون، لذلك لا بد من نهج يتفق في دعم القطاع الخاص ويختلف في الفرز الفني والمرحلي.

٥- هناك فجوات مؤثرة في توظيف الحوافز تظهر في الطبقة التكنوقراطية المسؤولة عن الشركات والاستثمارات العامة، في جزء منها بسبب الاهتمام أحيانًا السطحي بالمال وقبول عرض غير واقعي على حساب المعرفة الفنية وبناء القدرات وتنمية المهارات الفردية والجماعية.

٦- هناك نجاحات مؤثرة مثلًا في قطاع الطاقة وخاصة المتجددة وشركة المراعي وأكوا باور وغيرهم ربما من شركات متوسطة في مجالات كثيرة، ولكن ما يشد الانتباه إلى أن النجاح في قطاعات معينة لا يمتد لأخرى، ولا يبدو أننا نتعلم من تقصير جهات أخرى، فمثلًا لم تتعلم سابك والتصنيع والاتصالات من عدم جدوى الاستثمارات الخارجية.

 ٧- معالجة تحدي الأراضي الذي مر بإصلاحات في الرسوم والتسجيل والتوثيق وإعادة هيكلة في الملكية وتركيز على بعض المدن لكي يصبح أكثر تجانس في التسعير، هذه التغيرات والتي صاحبها تغيرات في سياسة الإسكان وتمويله وطبيعة الدعم خلقت بيئة جديدة أقل ما يقال عنها أنها تحتاج وقت لتقدير دورها الاقتصادي والمالي على الأعمال والعامة وحتى القطاع العام وما يجني من دخل. العقار يمثل القطاع الأهم في الجزء الغير متداول مع العالم الخارجي، لذلك الأحرى أن تكون المناطق والمدن تختلف إلى درجة ما في المعالجة لاختلاف المعطيات وربما الأهداف.

 لابد من التوصل لنماذج تجمع بين تمويل البلديات وتوفير السكن الملائم وتخطيط المدن ودور القطاع الخاص في التطوير، كذلك ينبغي أن يسيطر المواطن والشركات الوطنية على السلسة الاقتصادية والمالية فيه. العقار بتعريفه الواسع قطاع مهم لأنه مدخل معتبر لأعمال كثيرة عدى الأهمية المعروفة للإسكان، الأحرى أن يدار من قبل القطاع الخاص، ولكن هذا يحتاج رصد إحصائي ومعلوماتي ومؤشرات دورية موثوقة، خاصة بعد أن أخذت السعودية بخطوات في التسجيل الإلكتروني والعيني.

القطاع الخاص يبحث عن الفرص التي تجمع بين الربح الأعلى والمخاطرة الأقل، وكذلك الدولة الريادية التي تقود استثمارات نوعية لا يستطيع القطاع الخاص أن يخاطر فيها إما لتعقيدها أو حجمها (مقالي: الدولة الريادية.. و تشكيل السوق "1"- مراجعة لكتاب Mazzucato في الاقتصادية في11 سبتمبر 2018). العلاقة الصحية في ثنايا هذا التكامل والتنوع الاستثماري بعين على تكبير القرص الجمعي- عملية إدارية حساسة وشاقة لا يحسد من يقوم بها. لابد من عدم الانفعال في الاستثمار فالزيادة أحيانًا مثل النقص ليس لأنها تشتت المقدرات المالية والبشرية فقط ولكنها أحيانًا تقود للأخطاء، فمثلًا حديث اليوم عن الذكاء الاصطناعي ولذلك لن تجد من يتساءل حول ضرورة أن نركب الموجة التقنية الأخيرة، ولكن إذا التقنية عامة مثل الشبكة العنكبوتية أو الكهرباء فنقل التقنية ليس مثل تعظيم الاستفادة والتمكين منها من ناحية، ومعرفة أين الحلقة الأعلى عائد استثماريًا لنا مرحليًا من ناحية أخرى.

الأسئلة الأولية والصراحة والنقاش الموضوعي الأمين يقود غالبًا للقرار الأمثل وليس بالتذاكي وتوظيف المصطلحات في غير محلها. هذه الخلفية ضرورية لرسم معالم طريق جديد.

التساؤل حول العلاقة بين القطاعين يمر من البوابة الاقتصادية من زاويتين، الأولى حجم سعة الاقتصاد الفعلية والتي تم تشويهها بتضخيم الدخل القومي بالمبالغة بالتوسع في الإنفاق العام حتى مع استمرار العجز وتنامي الدين العام، ربما نجد تبرير مقبول في العقود الأولى للتنمية لأن البنية التحتية تحتاج الكثير وهناك حاجة لرفع المستوى المادي للأغلبية لكن بعد ذلك لابد من إعادة هيكلة تنتقل إلى مستوى مختلف في التحليل والممارسة الاقتصادية، وأدوات التوسع الاقتصادي المبالغة في استقدام الأيدي العاملة والمال على حساب التوفير هما أدوات التوسع وليس بالضرورة النمو الصحي.

حين تكون هذه السمات الرئيسة للاقتصاد لا تطالب القطاع الخاص بكفاءة عالية لأن القطاع الخاص سوف يلتقط الإشارات من القطاع العام، وما علم الاقتصاد إلا علم الإشارات. الثانية نوعية الاستثمارات العامة التي نختارها وقدرتنا على الإصرار للنجاح أو التوقف حين تتغير المعطيات لأننا لن ننجح في كل شيء، خاصة أن الناحية التجريبية مفصلية للتعلم واختبار المرونة، والتي نجدها اليوم على سبيل المثال في القطاع الصحي الخاص حيث هناك تجاذب بين القطاعين من ناحية ونجاح مشهود للقطاع الخاص وعدم وضوح في اقتصاديات القطاع ككل خاصة أن القطاع لا يخلو من الجدل الاقتصادي في كل دول العالم تقريبًا. لإعادة رسم علاقة جديدة نحتاج فرز للأعمال ليس قطاعيًا فقط ولكن على مستويين الأول، الأجزاء الغير القابلة للتداول مع الخارج، فهذه يجب أن تكون هدف للاستيعاب التوظيفي للسعوديين دون تردد مثل تجارة التجزئة والكثير من الخدمات، وحتى بعض الأعمال المهنية تدريجيًا، فمثلًا إذا هناك توجه للسيارات الكهربائية لذا قد نستغني تدريجيًا عن فنيين السيارات التقليدية والتي يسيطر عليها الوافدين.

التعامل مع الطريق الجديد يتم بتبني المرونة في توظيف المواطن والتخلص منه لأن البديل مواطن آخر لرفع درجة الانضباط والإنتاجية. في هذه الناحية سوف تجد معارضة قوية من بعض أطراف القطاع الخاص وحتى بعض من يعتقد أن الاقتصاد فلك يدور حول أرقام دخل قومي إجمالي فضفاضة. الزاوية الأخرى في الاستثمار في القطاعات التي نرى أنها واعدة لأنها استثمارات جديدة نوعية وقابلة للتداول مع الخارج حيث تتطلب درجة أعلى من المعرفة التقنية والفنية والتسويقية فلابد من مرونة في جلب الكوادر اللازمة بعين على التدريب وتوطين المعرفة (من المرجعيات هنا مقال جديد: Rethinking Development للكتاب Hanson و Rodrik و Sandu). في الأخير رفع كفاءة القطاع الخاص تمر من بوابة إعادة تحجيم القطاع العام والطمأنينة على وضع مالي مستقر وصندوق سيادي أكثر تركيز من ناحية وجودة الاستثمارات النوعية التي يرى القطاع العام أنها واعدة من ناحية أخرى. 

إعادة نسج العلاقة في دوائر الاقتصاد العام والخاص سوف تقارب في تحويل نموذج التاجر العربي الذي يعرف عنه القيم العالية والمغامرة والجهد واقتناص الفرص- منظومة أخلاقية وتصرفات نجح البعض إلى تحويلها إلى رجال أعمال بالمعنى الحديث للكلمة، كذلك نستطيع تحويل الفني إلى مبتكر، والمغامر إلى مكتشف لفضاء جديد في نسيج بشري ينتهي بعلاقة بين الأكاديميين والأبحاث التطبيقية في الشركات في رأس الهرم المعرفي وجمعيات مهنية لكل مهنة. هناك عوائل كثيرة ناجحة في كل مناطق السعودية راكمت السمعة والخبرة والمال وقادرة على الاستمرار لأجيال, ولكن أيضًا الفرص والأعمال والأجيال تتغير لذلك لابد من وسط تنافسي يسمح للأفضل فينا بالتفوق.

للغرف الصناعية والتجارية دور مؤثر حين تأخذ بالمصلحة العليا بعيدة المدى وليس المصالح الضيقة ومحاولة تكريس الإيجار الاقتصادي لأن النزعات المصلحية في القطاع الخاص معروفة، لذلك على الغرف توحيد وتهذيب وتأطير الخطاب ليكون في نسق مع السياسات العامة، وبالتالي تتعاون مع الفعاليات الاقتصادية العامة بطريقة تعظم المصلحة وتسمح بالمنافسة في سبيل تكوين شراكة فاعلة على صيغSaudiInc.، فلن يطير الاقتصاد الوطني بجناح واحد. القطاع الخاص الناجح أكثر استعداد لقبول المخاطرة والتكيف للوصول إلى أعلى المراتب المعرفية.

هذه السلاسل والرسائل والقيم لا تتم دون دفع الاقتصاد إلى ملامسة دوائر أعلى تقترب من المنافسة الدولية وليس استغلال الممكن من الإنفاق العام وطلب المزيد لقطاع خاص طفيلي. الحالة العامة في السعودية مريحة على جميع الأبعاد الاستراتيجية ولذلك مهيأة لنجاح باهر. العلاقة بين القطاعين مفصلية في نجاح التجربة التنموية السعودية ولذلك لابد من رصد للتفاعل الصحي من بوابة ما ذكرت أعلاه من نماذج.

 

خاص_الفابيتا