في عالم تتسابق فيه طموحات البشرية نحو الذكاء الاصطناعي ومشاريع الطاقة العملاقة، يبدو الأمر وكأن عجلة المستقبل تدور بوقود مستعار؛ ففي الوقت الذي يحتفل فيه العالم بإنجازات التكنولوجيا والابتكار، تتراكم المليارات خلف الكواليس لتنسج شبكة خفية من الالتزامات المالية.
لم تعد الأزمات المفاجئة أو الصدمات الطارئة هي السبب وراء تضخم الاقتراض كما كان في السابق، بل أصبحنا نعيش دوامة هيكلية كبرى، فقد أعلن معهد التمويل الدولي في تقريره الأخير أن الدين العالمي بلغ مستوى غير مسبوق متجاوزاً عتبة الـ 365 تريليون دولار خلال النصف الأول من العام، في سياق تنذر مؤشراته بارتفاع الضغوط المالية عالميا.
دوامة الديون الهيكلية
يعكس هذا الرقم الضخم إجمالي الديون عبر قطاعات الاقتراض الأربعة الرئيسية – الحكومات، الأسر، الشركات المالية، وغير المالية – في أكثر من 100 اقتصاد متقدم وناشئ، مسجلاً بذلك الارتفاع الرباعي السادس على التوالي، وفي تعليقه على البيانات، أوضح "إمري تفتيك"، مدير الأسواق العالمية والسياسات في معهد التمويل الدولي، أن هذه الموجة تختلف كلياً عن سابقاتها التي أشعلتها صدمات مثل الأزمة المالية العالمية لعام 2008 أو جائحة كوفيد-19.
وقال "تفتيك": "هذه المرة، لا توجد أزمة محددة، بل يقود هذا كله دورة اقتصادية فائقة مدفوعة بالإنفاق على الرعاية الصحية، الطاقة، الذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا المعلومات، إضافة إلى قطاع الدفاع". وأضاف أن هذا الإنفاق بطبيعته هيكلي وليس ظرفياً، ما يعني أن "الديون أصبحت ضيفاً ثقيلاً باقياً معنا".
على الرغم من أن الدين العالمي قد ارتفع بمقدار 10 تريليونات دولار في النصف الأول من عام 2026 (وهو أقل من نصف الزيادة المسجلة في نفس الفترة من العام الماضي بسبب ارتفاع تكاليف الاقتراض والتقلبات المرتبطة بالحرب في إيران)، إلا أن التباين بين القوى الكبرى يروي قصة أخرى.
الصين والولايات المتحدة: محركا التضخم المالي
استحوذت الصين والولايات المتحدة على النصيب الأكبر من هذا الصعود المقلق:
- الصين: سجلت وحدها أكثر من 4.8 تريليون دولار من الاقتراض الجديد، مما دفع إجمالي ديونها القائمة إلى مستوى هائل يبلغ 72.5 تريليون دولار. تسلط هذه الزيادة الضوء على الضغوط المالية المتزايدة في الصين، حيث أدى تراجع إيرادات مبيعات الأراضي والركود العقاري الممتد إلى تقلص دخل الحكومات المحلية، بينما تكافح الشركات لهوامش ربح ضئيلة وسط ضعف الطلب المحلي والمنافسة السعرية الشرسة.
- الولايات المتحدة: قفز إجمالي الديون بـ 3.5 تريليون دولار ليصل إلى 111.8 تريليون دولار خلال الأشهر الستة. وكان الدافع الأكبر وراء ذلك هو القطاع المالي والحكومة الفدرالية، حيث بلغ الدين الفيدرالي نسبة 122.3% من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني، متجاوزاً حاجز الـ 40 تريليون دولار للمرة الأولى في أغسطس بحسب وزارة الخزانة الأمريكية، ما يضاعف المخاوف حول الاستدامة المالية على الأجل الطويل.
عائدات الخزانة ومستقبل الدولار
في ظل هذه المعطيات، تتساءل الأسواق العالمية عن النقطة الفاصلة التي قد تغير قواعد اللعبة، فقد ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل مؤخرا إلى مستويات لم تُسجل منذ عام 2007، في وقت تراجعت فيه حيازات الحكومات الأجنبية من الديون الأمريكية لشهرين متتاليين (مع قيام اليابان والصين - وهما اثنتان من أكبر ثلاث جهات دائنة - بتقليص حيازاتهما في يوليو).
ويحذر تقرير المعهد من أن التوسع المستمر في إصدار ديون الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد يفرض ضغوطاً إضافية على عوائد سندات الخزانة، تاركاً السؤال الأهم معلقاً: ما الذي قد يشعل نقطة التحول الكبرى في الطلب على الدولار؟
خاص_الفابيتا


