تمر صناعة البتروكيماويات العالمية بمرحلة صعبة، اجتمعت فيها زيادة المعروض مع تباطؤ الطلب وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، إلى جانب الاضطرابات الجيوسياسية التي أثرت في حركة الشحن وسلاسل الإمداد. وقد انعكست هذه الظروف على نتائج معظم الشركات الكبرى في القطاع، ومن بينها سابك، ورغم أن نتائج سابك الأخيرة لم تكن بالمستوى الذي يتطلع إليه المستثمرون، فإن قراءتها بهدوء تظهر أن الشركة لا تعاني من ضعف في جوهر أعمالها، بل تواجه دورة اقتصادية ضاغطة وظروفًا استثنائية أثرت في حجم المبيعات والتكاليف. وفي المقابل، بدأت الشركة سريعًا في معالجة مواطن الضعف وإعادة ترتيب محفظتها والتركيز على الأنشطة الأكثر كفاءة وربحية.
قراءة واقعية للنتائج الحالية
سجلت سابك في الربع الثاني من عام 2026 إيرادات بلغت نحو 24.81 مليار ريال، بانخفاض يقارب 5% عن الربع السابق ونحو 18% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. كما سجلت خسارة صافية عائدة للمساهمين بلغت قرابة 833 مليون ريال، مقابل خسارة تجاوزت 4 مليارات ريال في الربع المماثل من العام السابق.
ورغم عودة الشركة إلى الخسارة بعد تحقيق ربح محدود في الربع الأول، فإن الانخفاض الكبير في حجم الخسائر مقارنة بالعام الماضي يُعد مؤشرًا إيجابيًا. كما أن جزءًا مهمًا من الخسائر ارتبط بالأنشطة التي قررت سابك التخارج منها، وليس فقط بأعمالها التشغيلية الأساسية.
أما النشاط المستمر فقد اقترب من نقطة التعادل، في حين سجلت الأرباح المعدلة قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والإطفاء نحو 3.4 مليارات ريال، بهامش يقارب 13.6%. وهذا يعني أن النشاط الأساسي لا يزال قادرًا على تحقيق أرباح تشغيلية رغم صعوبة الظروف وانخفاض الكميات المبيعة.
الأسباب الحقيقية وراء التراجع
تعرضت مبيعات سابك خلال الربع الثاني لضغط واضح، إذ انخفضت الكميات المبيعة بنحو 33% مقارنة بالربع الأول. وجاء ذلك نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد وتأثر بعض مسارات الشحن وحركة الصادرات، إضافة إلى التوترات الجيوسياسية التي رفعت أسعار الطاقة والنقل.
وفي المقابل، ارتفع متوسط أسعار البيع بنحو 41%، إلا أن هذا الارتفاع لم يكن كافيًا لتعويض الانخفاض الكبير في الكميات، كما يعاني القطاع عالميًا من زيادة الطاقات الإنتاجية، خصوصًا في الصين وآسيا، بينما لم ينمُ الطلب بالمستوى نفسه. وأدى ذلك إلى انخفاض معدلات تشغيل المصانع والضغط على هوامش الربح لدى المنتجين حول العالم.
هذه العوامل لا تخص سابك وحدها، بل تمثل دورة هبوط يمر بها قطاع البتروكيماويات بأكمله. والفرق الحقيقي يظهر في قدرة كل شركة على الصمود وإدارة التكاليف والاستعداد للدورة القادمة.
استجابة سريعة ومرونة تشغيلية
أظهرت سابك قدرة واضحة على التعامل مع الاضطرابات. فقد أعادت توجيه جزء من الإمدادات، ورفعت عمليات نقل البوليمرات من شرق المملكة إلى غربها، واستخدمت موانئ ينبع وجدة وخطوط الشحن عبر البحر الأحمر للمحافظة على وصول المنتجات إلى العملاء.
هذه المرونة تعكس قوة شبكة سابك اللوجستية واتساع حضورها العالمي. وهي ميزة مهمة تمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع الأزمات مقارنة بالشركات الأصغر أو الأقل انتشارًا، وفي الداخل، شددت الشركة الرقابة على التكاليف وبدأت في تحسين تخصيص الموارد والتركيز على الأنشطة التي تتمتع فيها بميزة تنافسية واضحة، بدل الاستمرار في تمويل أصول ضعيفة أو منخفضة العائد.
تصحيح المسار والتركيز على النشاط الأساسي
من أهم الخطوات التي اتخذتها سابك قرار التخارج من عدد من الأصول والأنشطة الأقل كفاءة في أوروبا، إضافة إلى أجزاء من أعمال اللدائن الهندسية في أوروبا والأمريكيتين، قد تظهر لهذه التخارجات آثار محاسبية سلبية في المدى القصير، لكنها تساعد الشركة على وقف الاستنزاف المستمر للنقد والأرباح. وهي خطوة ضرورية لإعادة توجيه رأس المال نحو المصانع والمشروعات والمناطق الأعلى كفاءة وربحية.
وخلال النصف الأول من عام 2026، حققت الشركة أثرًا متكررًا من برنامج التحول بلغ نحو 547 مليون دولار، بما يزيد على ملياري ريال. كما تستهدف الوصول إلى أثر تراكمي يبلغ نحو 3 مليارات دولار بحلول عام 2030.
هذا التحول يتجاوز خفض المصروفات، فهو إعادة بناء للمحفظة الاستثمارية على أسس أكثر كفاءة، تشمل التخلص من الأنشطة المرهقة، ورفع العائد على رأس المال، والاستفادة من ميزة تكلفة الإنتاج في الشرق الأوسط، والتوسع الانتقائي في الأسواق الواعدة.
الصين تتحول من مصدر ضغط إلى فرصة نمو
تسببت الإضافات الإنتاجية الكبيرة في الصين في الضغط على أسعار البتروكيماويات عالميًا، لكن سابك لا تتعامل مع الصين باعتبارها منافسًا فقط، بل كسوق استراتيجية للنمو، يبرز في هذا الجانب مشروع سابك فوجيان، المتوقع أن يبدأ تشغيله تدريجيًا خلال الربع الرابع من عام 2026. ويمنح المشروع الشركة حضورًا مباشرًا بالقرب من أحد أكبر أسواق الاستهلاك الصناعي في العالم، ويخدم قطاعات مهمة مثل السيارات والإلكترونيات والتعبئة والبناء.
كما تعمل سابك على تعزيز شراكاتها مع شركات صينية كبرى، ومنها «رونغشنغ للبتروكيماويات». ويعكس ذلك انتقال الشركة من الاعتماد على التصدير فقط إلى بناء وجود صناعي وشراكات طويلة الأجل داخل السوق الآسيوية.
بوادر التحسن خلال الربع الرابع
تشير تقديرات بنك أوف أمريكا إلى احتمال تحسن أحجام إنتاج ومبيعات سابك ابتداءً من الربع الرابع من عام 2026، بما قد يدعم تعافي الأرباح تدريجيًا، ويأتي هذا التحسن المتوقع بالتزامن مع بدء تشغيل مشروع فوجيان، واستقرار سلاسل الإمداد، وارتفاع الكميات المبيعة، واستمرار برنامج خفض التكاليف، وتراجع أثر الأنشطة التي يجري التخارج منها.
ومع ذلك، أبقى البنك توصيته للسهم عند مستوى «محايد»، وخفض السعر المستهدف من 59 إلى 56 ريالًا، في إشارة إلى أن التعافي المتوقع قد يكون تدريجيًا وليس سريعًا. وهذا يجعل النظرة الإيجابية أكثر واقعية، لأنها لا تتجاهل استمرار ضعف دورة البتروكيماويات أو المخاطر المحيطة بالطلب العالمي.
العودة إلى الأرباح خلال الربع الرابع تظل احتمالًا قائمًا وليست نتيجة مضمونة، لكنها تمثل بداية ممكنة لنقطة تحول تشغيلية إذا تحسنت المبيعات واستمرت الشركة في تنفيذ خطتها التصحيحية.
سابك لا تزال اسمًا عالميًا قويًا
سابك ليست مجرد شركة تنتج مواد بتروكيماوية، بل منظومة صناعية عالمية تمتلك خبرة طويلة، وشبكة إنتاج وتسويق واسعة، وعلاقات ممتدة مع العملاء، وقدرات بحث وتطوير، وحضورًا في أهم الأسواق العالمية، كما تتمتع الشركة بميزانية قوية ومستوى مديونية صافية منخفض مقارنة بحجم أعمالها وأرباحها التشغيلية. وتملك مصانعها في الشرق الأوسط ميزة مهمة في تكلفة اللقيم مقارنة بكثير من المصانع العالمية التي تعتمد على النافثا الأعلى تكلفة.
وتواصل الشركة توزيع الأرباح على المساهمين، وإن كانت بمستويات أقل، بما يعكس حرص الإدارة على المحافظة على التوازن بين الاستثمار في المستقبل، وحماية المركز المالي، وتحقيق عائد للمساهمين.
التفاؤل قائم على خطوات فعلية
النظرة المتفائلة تجاه سابك لا تعتمد على تاريخ الشركة أو قوة اسمها فقط، بل تستند إلى مجموعة من المؤشرات العملية، فالشركة قلصت خسائرها السنوية بصورة واضحة، وما زال نشاطها الأساسي يحقق أرباحًا تشغيلية، كما بدأت في التخلص من الأصول المستنزفة، وحققت وفورات فعلية من برنامج التحول، وتستعد لتشغيل مشروع استراتيجي كبير في الصين.
وفي الوقت نفسه، تمتلك سابك القدرة المالية والخبرة التشغيلية التي تسمح لها بالانتظار حتى تتحسن دورة القطاع، بينما قد تجد الشركات الأضعف صعوبة أكبر في المحافظة على استثماراتها وحصتها السوقية.
مرحلة تنظيف تسبق التعافي
ما تمر به سابك حاليًا يمكن وصفه بمرحلة تنظيف وإعادة تمركز. فالنتائج الحالية تعكس ضغوط السوق واضطراب الإمدادات وتكاليف التخارج من الأنشطة الضعيفة، لكنها لا تعني تراجع مكانة الشركة أو فقدان قدرتها على المنافسة، الطريق إلى التعافي قد لا يكون سريعًا أو مستقيمًا، وقد تظهر بعض التقلبات في النتائج الفصلية. إلا أن القرارات التي تتخذها الإدارة اليوم تساعد على بناء شركة أكثر تركيزًا وكفاءة عندما تتحسن دورة البتروكيماويات.
ومع تحسن الكميات المتوقع خلال الربع الرابع، وبدء تشغيل مشروع فوجيان، واستمرار خفض التكاليف، يمكن أن تبدأ نتائج سابك في إظهار صورة أفضل تدريجيًا، تبقى سابك واحدة من أبرز شركات البتروكيماويات في العالم، بما تمتلكه من خبرة وأصول وعلاقات وأسواق واسعة. وقد تكون المرحلة الحالية صعبة، لكنها تحمل في داخلها ملامح تصحيح حقيقي يمكن أن يمهد لعودة الأرباح والنمو.
التفاؤل بسابك له ما يبرره، بشرط أن يكون تفاؤلًا واعيًا يراقب تحسن المبيعات والهوامش والتدفقات النقدية، ويتابع تقدم التخارجات والمشروعات الجديدة. فالشركة لا تنتظر تحسن السوق فقط، بل تعمل على إعادة تشكيل نفسها لتكون أكثر قوة واستعدادًا للدورة القادمة.
هذا المقال قراءة تحليلية عامة، ولا يمثل توصية بشراء السهم أو بيعه
خاص_الفابيتا


