أزمة المياه الخفية في صناعة الورق: كم تستهلك من المياه؟

28/09/2026 0
د. إبراهيم بن محمود بابللي

في المقالة السابقة تحدثت عن استهلاك صناعة الورق للمياه، والغموض الإحصائي الذي يكتنف حجم هذا الاستهلاك عالمياً، أهدف من سلسلة المقالات هذه إلى سرد – أو اقتراح – عدد من الحلول الممكنة لخفض استهلاك المياه في صناعة الورق على امتداد سلسلة القيمة كاملة، لا في عملية التصنيع وحدها. ولتحقيق ذلك، لا بد أولاً من تصنيف استهلاك المياه إلى فئات ترتبط بأنواع الورق المختلفة، تسمح بتدخلات موجّهة ومؤثرة، وهذا هو هدف هذه المقالة.

أ. فئات الورق المختلفة

الإحصاءات العالمية المتاحة عن هذه الصناعة، ومعظمها صادر عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وجهاتِ رصدٍ متخصصة، تُصنَّفُ عادة إما بحسب فئة الورق (من حيث الوزن ومحتوى الألياف والجودة النهائية، إلخ) وإما بحسب نوع الورق المنتج. ولكنني سأعتمد في هذه المقالة تصنيفاً يساعد على استهداف مبادرات مؤثّرة لترشيد أو تخفيض استهلاك المياه، كما سيساعد في رسم صورة أوضح عن الصناعة واستهلاكها المائي وما يمكن عمله.

  1. 1. ورق الطابعات وآلات النسخ (photocopiers) مقابل بقية الأنواع: لا يوجد إحصاء رسمي دقيق أو جهة متخصصة – على حد علمي – ترصد هذا النوع من الورق، مع أهميته في مقارنة الورق المصنوع من اللّب الخشبي بالورق الصخري. الإحصاء الموجود هو لفئة "ورق الطباعة والكتابة"، ويندرج تحتها ورق الطابعات وآلات النسخ، بالإضافة إلى الكتب والدفاتر وغيرها. وتشكل جميع أنواع ورق الطباعة والكتابة، بما فيها رزم ورق المكاتب، قرابة 12% من إجمالي إنتاج الورق عالمياً.
  2. 2. الألياف البِكر مقابل المعاد تدويرها: يُقدَّر أن 45-55% من مجمل الألياف المستخدمة عالمياً مصدرها الورق المعاد تدويره. وفي الولايات المتحدة، المرجع الأساسي لهذه الصناعة، تبلغ نسبة الألياف المعاد تدويرها 44%، تُستخرج من 46 مليون طن من الورق المعاد تدويره سنوياً. وتتفاوت هذه النسبة كثيراً بحسب درجة الورق، فهي أعلى بكثير في ورق التغليف الخشن (أكثر من 70%)، وأقل بكثير في المنتجات التي تتطلب أليافاً طويلة وقوية، كلُباب الحفاضات أو ورق الطباعة عالي الجودة.
  3. 3. فئات الاستخدام: النسبة التقريبية لإنتاج الورق العالمي بحسب الاستخدام:
  • · التغليف وورق الكرتون: 60-66%، ويشمل الورق المموّج (corrugated paper)، والحاويات الورقية للأحمال الكبيرة، وصناديق الكرتون القابلة للطي، وأكياس الورق وورق التغليف (kraft paper).
  • · الورق الأبيض الناصع: 15-22%، ويشمل ورق الطباعة والكتابة والنسخ، وورق المجلات والكتب والصحف.
  • · المناديل والمنتجات الصحية: 10-11%، وتشمل مناديل الوجه والحمام والمطبخ، والمنتجات الصحية.
  • · الورق التخصصي والتقني: 10-14%، ويشمل الورق المستخدم في تطبيقات مالية أو أمنية (security paper)، وورق الترشيح، والأوراق المستخدمة في التزيين (decorative laminates)، والورق الصناعي غير المعالج (industrial base paper).

وتجدر الإشارة إلى نقطتين: الأولى أن الجهات الراصدة تختلف في تعريف ورق التغليف، فإن اقتصرنا على الورق المُموَّج وحده كانت نسبته قرابة 45%، وترتفع إلى 60-66% إذا ضُمَّ إليه كل أنواع التغليف والكرتون. والثانية أن المنتجات الصحية كالحفاضات ليست ورقاً بالمعنى الدقيق، إذ يُصنَّف لُبابها كمنتج لُباب لا ورقاً، وقد أدرجتها هنا لتغطية أثرها المائي فحسب.

ب. استهلاك المياه بحسب فئة الورق

يتفاوت استهلاك المياه تفاوتاً كبيراً تبعاً لمحتوى الألياف البِكْر فيها. ولا بد من توضيح نقطة مهمة قبل عرض الأرقام: معظم أرقام الصناعة تقيس "مياه عمليات المصنع" فقط، أي ما يُستخدم في تصنيع اللب والغسل والتبييض وتشكيل الورق، بينما يوجد رقمٌ أكبر بكثير يمثل البصمة المائية للدورة الكاملة، ويضم المياه التي تستخدمها الأشجار لنموها قبل وصولها إلى المصنع.

ولقياس استهلاك المياه في صناعة الورق، لا بد من التمييز بين السحب والاستهلاك الفعلي: يُفَلتَر قرابة 90% من المياه المسحوبة إلى المصنع ويُدوَّر داخلياً، ثم يُعاد في نهاية المطاف إلى الأنهار أو البحيرات المحلية بعد معالجة المياه، أما الاستهلاك الفعلي فلا يتجاوز 10% من المياه المسحوبة، ويُفقَد بالتبخر أو يندمج في المنتج النهائي بشكل دائم.

وللمقارنة، يبلغ متوسط استهلاك الصناعة في مصانع الألياف البكر قرابة 64 متراً مكعباً من المياه لكل طن من الورق. أما البصمة المائية للدورة الكاملة، بما فيها نمو الأشجار، فترتفع إلى قرابة 300-2,600 متر مكعب من المياه لكل طن من الورق. ويعكس هذا التفاوت الكبير اختلاف مصدر الخشب والمناخ وممارسات الري. ويبدو هذا الرقم الأخير مقلقاً للوهلة الأولى، إلا أن معظمه فعلياً مياه أمطارٍ، لا مياهاً مسحوبة من الأنهار أو المياه الجوفية. لذا يبقى رقم عمليات المصنع – بالآلاف لا مئات الآلاف – هو الأصح للاعتماد عليه عند الحديث عن أزمة المياه في الورق، كونه يمثل المياه المسحوبة فعلياً التي كثيراً ما تتلوث بفعل العمليات الصناعية.

  1. 1. ورق الطابعات مقابل بقية الأنواع: يندرج ورق الطابعات وآلات النسخ تحت فئة ورق الطباعة والكتابة، حيث يتراوح متوسط استهلاك المصانع الحديثة للمياه العذبة بين 10 و49 متراً مكعباً من المياه لكل طن من الورق. ولورقة A4 واحدة، يعادل ذلك ما بين 50 و250 مليلتراً من الماء تقريباً.
  2. 2. الألياف البكر مقابل المعاد تدويرها: تبلغ كفاءة أفضل مصانع الألياف البكر قرابة 17 متراً مكعباً للطن فقط، بينما تستهلك مصانع الألياف المعاد تدويرها قرابة 19 متراً مكعباً للطن.

وتتفاوت تقديرات المياه المُوفَّرة عند اختيار الورق المعاد تدويره بدل البكر تفاوتاً واسعاً، فقد شاع ذِكرُ رقم 27 متراً مكعباً للطن، بينما تضعها مصادر أخرى أقل من 4 أمتار مكعبة من المياه للطن الواحد من الورق فقط، ويعود هذا التباين

أساساً إلى المقارنة بين مصنعٍ متوسط الكفاءة وآخر عاليها. ويتفادى التصنيع من الألياف المعاد تدويرها مرحلة "الطبخ" كثيفة الاستهلاك للطاقة والمياه، التي تحوّل رقائق الخشب إلى ألياف، وهو السبب الرئيس لتخفيض استهلاكه للمياه، رغم أنه ما زال يحتاج إلى الماء لإعادة تلبيد الورق وإزالة الحبر وتنظيف الشوائب من الألياف المستردة.

3. بحسب فئة الاستخدام: رغم أن الورق المُموَّج والمناديل هما الفئتان الأقل استهلاكاً للمياه لكل طن من الورق، بفضل ارتفاع محتواهما المعاد تدويره وعقود من استثمارات في كفاءة الصناعة، إلا أن ضخامة حجم إنتاجهما تجعلهما من أكبر المستهلكين إجمالاً. في المقابل، يقع ورق الطباعة البكر ولُباب المنتجات الصحية البكر في الطرف الأعلى من حيث الاستهلاك لكل طن، لاعتمادهما على اللَّب الكيميائي الطازج بأقل قدر من المدخلات المعاد تدويرها. وفيما يلي تقديرات السحب المائي العالمي السنوي بحسب الفئة، استناداً إلى متوسط إنتاج سنوي قدره 425 مليون طن:

  • · التغليف وورق الكرتون: 265 مليون طن، تستهلك بين 3.5 إلى 4.5 بليون متر مكعب.
  • · ورق الطباعة والكتابة: 80 مليون طن، تستهلك بين 2.4 إلى 3.3 بليون متر مكعب.
  • · المناديل ومنتجات النظافة: 45 مليون طن، تستهلك بين 795 مليون إلى 1.2 بليون متر مكعب.
  • · الورق المتخصص والتقني: 35 مليون طن، تستهلك بين 1.2 إلى 1.6 بليون متر مكعب.

إن أبرز العوامل المسبّبة لهذا التفاوت هي:

  • • اللَّب البكر مقابل الألياف المعاد تدويرها: يتطلب إنتاج الورق من الخشب البكر لَبّاً كيميائياً (chemical pulping) وتبييضاً، بينما تستهلك عملية لَبّ الألياف المعاد تدويرها أقل من ثلث ما يستهلكه اللَّب البكر.
  • • كثافة التبييض: يتطلب الورق الأبيض الناصع دورات غسل مكثفة لإزالة اللِّغنين (lignin)، بينما يتخطى الورق غير المُبيَّض هذه المرحلة، موفراً كميات كبيرة من الماء.
  • • إعادة التدوير بالدورة المغلقة: تستخدم المصانع الحديثة أنظمة تُعيد استخدام الماء نفسه 10-12 مرة قبل معالجته، مما يخفض سحب المياه العذبة حتى 50% مقارنة بالمصانع القديمة.

هذه اللمحة، وإن كانت عامة، تُلقي الضوء على أولويات التدخل ومواضع البحث عن الحلول، وهو ما سأتناوله في المقالة التالية، إن شاء الله.

 

خاص_الفابيتا