نشاط حراس السندات يهدد الأسواق

28/09/2026 0
محمد مهدى عبدالنبي

 من الذكاء أن تصمت الأسهم وتستمع للصخب العالى القادم من عوائد السندات، فالأولى تعيش على الوعود و الثانية بالرياضيات" ...  قبل أكثر من أربعة عقود و بهذة الجملة المفيدة لخص الاقتصادى الأمريكي إدوارد يارديني أهم تفاعلات نظريته" حراس السندات" مع الأسواق العالمية، و هو ما تدلل عليه الآن عوائد السندات الأمريكية لأجال 10 سنوات 5.17%  و 30 سنة 5.50% عند اعلى مستويات منذ منتصف عام 2007

اللافت أننا نحن أمام إعادة اختبار لمستويات ما قبل الأزمة المالية العالمية 2008 و هو ما تكرر خمس مرات بداية منذ عام 2023 منها ثلاث خلال العام الجارى، مايو و اغسطس و سبتمبر  2026  ... و هو ما يكشف عن تسارع وتيرة اختبار قمم لعوائد تلتها أزمة ثقيلة، فهل هى مقبلة بالفعل أم نحن بداخلها و يتم الإعلان عنها فى مستويات أعلى للسندات طويلة الأجل ؟! 

الإجابات الآن فى يد من ... حراس السندات أم الفيدرالى و الخزانة ؟ 

"التضخم هو الضريبة الوحيدة التي تُفرض دون تشريع برلماني، وحُراس السندات هم شرطة الحركة الذين يمنعون السائق من تجاوز السرعة" 

هنا تلمس نظرية يارديني الوتر الحساس فى الأمر كله، إنه التضخم المستمر "فوق المستهدف المعلن" و الذى يتغذى على معطيات متزامنة و متفاقمة من ديون قياسية و عجز متواصل و أسعار نفط مرتفعة و فائدة عالية تواجه ضغوط سياسية لخفضها  و إصدارات ضخمة فى ظل معروض أعلى من السندات.

هذا بخلاف اللايقين السياسى و الاقتصادى فى ظل ملفات جيوسياسة مفتوحة من توترات عسكرية و تجارية تنغمس فيها واشنطن مع اقتراب الانتخابات النصفية فى نوفمبر القادم .

لذلك و أكثر يتخمر تحت السطح "أزمات مالية و اقتصادية على المدى المتوسط" و يزداد نشاط حراس السندات حول العالم الذين يفرضون تكلفة متزايدة  للاقتراض على الاجال الطويلة، فيكثفون مبيعاتهم تدريجيا طالبين عوائد أعلى لشراء أدوات الدين الأمريكية و العالمية .

ماذا عن الفيدرالى و الخزانة ؟ 

هنا قد يقف البنك الفيدرالى متسقا مع تقليديته فى قراءة إشارات السوق فيقول التضخم مازال هو المشكلة التى نسعى للى عنقها و لكن بالادوات المعروفة المتدرجة بداية من التحكم بالفائدة برفعات خجولة، مرورا بالتأكيد على مصداقيته مستقلا و مسيطرا على التضخم فى خضم أمواج جيوسياسة عاتية، حتى اللجوء إلى الكارت الأخطر بالاشارة فقط لتقليص ميزانيته دون فعلها .

ليأتى دور وزارة الخزانة التى لا تستطيع عمليا الآن خفض العجز المزمن و التراجع عن إصدارات جديدة و لكنها تدير آجال الدين و السيولة و تستطيع أن تعدل مزيج الإصدارات، فهى تغامر أيضا ارضاءا لسياسات ترامب الاقتصادية بزيادة الاعتماد على أدوات التمويل قصيرة الأجل حتى ينسحب ذلك مؤقتا بتراجع العوائد طويلة الأجل و خلق طلبا عليها تزامنا مع رفع عمليات إعادة الشراء .

إذن كلا من الفيدرالى و الخزانة يقدمان نظرة متحفظة و عنيدة لواقع جديد لا يعترف بالتمويل منخفض التكلفة ، و لسان حال أدواتهم المتنوعة يقول أن هناك بالفعل أزمة مؤقتة فى ارتفاع العوائد ليس سببها الأهم تراجع الثقة و لكن زيادة نشاط المبيعات فى أسواق السندات طويلة الأجل ... هى أزمة من روافد التضخم، و ليست بالضرورة تؤدى إلى أزمة مالية او اقتصادية على المدى القصير أو المتوسط رغم كل معطيات ما سبق .

النظرية تتطور و الإنذار يرتفع 

على مدار 43 عاما مضت طور إدوارد يارديني من نظريته بتوازن مهنى و علمى ، فمع أول ارتفاع ملحوظ لعوائد السندات 10 سنوات عند 4.6% و 30 سنة عند 5.20% فى مايو الماضى أعاد تذكير و طمأنة الجميع "خاصة أسواق الأسهم" بمقارنة عائد سندات الخزانة 10 سنوات مع نمو الناتج المحلي الاسمي الذى يجمع النمو الحقيقى بالتضخم "ربع سنوى "

و رغم ارتفاعات سبتمر 2026 المتواصلة خاصة لعوائد السندات 10 سنوات عند 5.23% فى أعلى مستوياتها حتى الآن فإنها لم تتجاوز العائد الأسمى لنمو الاقتصاد عند 6.6%، هى حاليا تنذر بضغوط متزايدة لأزمات تتخمر، و ذلك بنقل توتر أكبر لمنحنى العائد الطويل و زيادة نشاط حراس السندات بغية تعويضات أكبر مقابل الاحتفاظ بالديون الأمريكية طويلة الأجل.

ختاما ، على أضواء ماسبق تطل استفهامات كبيرة، ماذا يحمل الربع الأخير 2026 من مفاجآت ... ماذا لو تباطأ نمو الاقتصاد الأول عالميا و تسارعت عوائد الديون ... و الى متى يتدخل الفيدرالى لمساندة البنوك المحلية الأمريكية الواقعة تحت ضغوط واسعة فى ظل أزمة السندات ... و ماذا عن أسواق الأسهم التى تواجه الآن اختبارات مؤجلة من إعادة التقييمات المرتفعة و مضاعفات الربحية لأغلب الشركات خاصة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي و العقارات التى تعتمد على الأرباح المستقبلية ؟!!!

 

خاص_الفابيتا