تحتل الشركات الصغيرة والمتوسطة موقعًا محوريًا في مسار التحول الاقتصادي الذي تشهده السعودية، بعدما أصبحت أحد المحركات الرئيسية لتنويع الاقتصاد وزيادة مساهمة القطاع الخاص.
وتسهم هذه الشركات بنحو 23% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة حاليًا، فيما تستهدف رؤية السعودية 2030 رفع مساهمتها إلى 35% بحلول نهاية العقد.
ورغم التوسع الملحوظ في التمويل الموجه إلى هذا القطاع، لا تزال الشركات الصغيرة والمتوسطة تواجه فجوة تمويلية كبيرة، ما يفتح المجال أمام أدوات تمويلية جديدة يمكنها العمل إلى جانب البنوك، ومن بينها الائتمان الخاص المتوافق مع الشريعة الإسلامية.
فجوة تمويلية رغم نمو الإقراض
شهد تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة في السعودية نموًا خلال السنوات الماضية، ووصل إجمالي الائتمان القائم المقدم إليها إلى نحو 468 مليار ريال بنهاية 2025، بدعم من البنوك التجارية والمبادرات الحكومية وبرامج ضمان التمويل مثل "كفالة".
لكن حجم التمويل الموجه إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة لا يزال يمثل نحو 11.3% من إجمالي الائتمان المصرفي، مقابل مستهدف يبلغ 20%.
وتشير تقديرات المحللين بالذراع السعودي لشركة "زد كابيتال جروب" إلى أن فجوة التمويل التي تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة في المملكة تتجاوز 300 مليار ريال، بما يعادل نحو 80 مليار دولار.
وهنا تظهر الحاجة إلى خيارات تمويل تتجاوز القوالب التقليدية للإقراض المصرفي.
ما الائتمان الخاص؟
ببساطة، يشير الائتمان الخاص إلى التمويل الذي توفره صناديق أو مؤسسات استثمارية بشكل مباشر للشركات، بدلًا من حصول الشركة على التمويل من خلال بنك تقليدي.
وقد يكون هذا التمويل أكثر مرونة من بعض أشكال الإقراض المصرفي، حيث يمكن تصميم شروطه وحجمه ومدته وفق احتياجات الشركة وطبيعة المشروع أو الغرض من التمويل.
ولا يعني ذلك أن الائتمان الخاص يحل محل البنوك، فالبنوك تظل المكون الرئيسي في النظام التمويلي، بينما يمكن للائتمان الخاص أن يسد بعض الاحتياجات التي قد لا تناسب المنتجات المصرفية التقليدية.
وتزداد أهمية هذا الدور مع نمو الشركات وارتفاع تعقيد احتياجاتها التمويلية.
من أين تأتي أهمية التمويل الخاص للشركات؟
قد تحتاج شركة متوسطة إلى تمويل كبير لتنفيذ توسع أو استحواذ، بينما لا تتطابق احتياجاتها بالضرورة مع المنتجات المصرفية المتاحة لها.
في هذه الحالة، يمكن للتمويل الخاص أن يوفر رأس المال بصورة مباشرة وبهيكل تمويلي مصمم حول التدفقات النقدية للشركة وأصولها وقدرتها على السداد.
وتعتمد بعض استراتيجيات الائتمان الخاص على التمويل المضمون، أي أن الممول يحصل على ضمانات أو حقوق أولوية في السداد مقارنة بمستويات أخرى من التمويل في هيكل رأس المال.
ويعكس ذلك تركيز هذا النوع من الاستثمار على إدارة مخاطر الائتمان وحماية رأس المال، وليس فقط البحث عن عوائد مرتفعة.
لماذا يكتسب التمويل المتوافق مع الشريعة أهمية خاصة؟
تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في السعودية باعتبارها من أكبر أسواق التمويل الإسلامي عالميًا، مع وجود طلب من المؤسسات الاستثمارية والمكاتب العائلية وأصحاب الثروات على المنتجات الاستثمارية المتوافقة مع الشريعة.
وفي المقابل، لا يزال المعروض من أدوات الائتمان الخاص التي تستوفي متطلبات المستثمرين الباحثين عن حلول متوافقة مع الشريعة محدودًا نسبيًا.
ويجمع هذا النموذج بين اتجاهين في السوق: ارتفاع احتياجات الشركات الصغيرة والمتوسطة للتمويل المرن، وزيادة الطلب على الاستثمارات الخاصة المتوافقة مع الشريعة.
ويعني الالتزام بأحكام الشريعة أن هيكل التمويل والاستثمار وآلياته يجب أن تكون مصممة بما يتوافق مع الضوابط الشرعية المعتمدة، وليس مجرد إضافة عنصر شرعي إلى منتج تمويلي قائم.
حلقة وصل بين رأس المال والاقتصاد الحقيقي
يمكن النظر إلى الائتمان الخاص باعتباره حلقة وصل بين المستثمرين الباحثين عن فرص في الأسواق الخاصة والشركات التي تحتاج إلى رأس مال للنمو.
فعوضًا عن توجيه رأس المال إلى أدوات مالية متداولة فقط، يمكن توظيفه بصورة مباشرة في تمويل شركات ومشروعات قائمة، بما يربط الاستثمار بالنشاط الاقتصادي الفعلي.
وفي الحالة السعودية، يمكن لهذا المسار أن يساند الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تلعب دورًا متزايدًا في التنويع الاقتصادي، خصوصًا مع توسع قطاعات جديدة وزيادة الاستثمارات الخاصة.
لكن ذلك لا يخلو من مخاطر؛ فالاستثمار في الائتمان الخاص يتطلب تقييمًا دقيقًا لقدرة الشركات على السداد، وجودة الضمانات، والتدفقات النقدية، وهيكل رأس المال، والظروف الاقتصادية التي قد تؤثر في أعمال المقترضين.
لذلك، فإن اتساع سوق الائتمان الخاص لا يعتمد فقط على توافر رأس المال، بل أيضًا على جودة إدارة المخاطر والائتمان والحوكمة.
بين البنوك والائتمان الخاص
لا ينبغي النظر إلى تطور الائتمان الخاص باعتباره منافسة مباشرة للقطاع المصرفي.
فالنظام المالي الأكثر تنوعًا يمكن أن يضم البنوك، والمؤسسات الحكومية، وصناديق التمويل، ومستثمري الائتمان الخاص، وغيرها من مصادر رأس المال، بحيث يؤدي كل طرف دورًا مختلفًا وفق طبيعة احتياجات الشركات.
وبالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، فإن وجود خيارات تمويل متعددة قد يمنح الشركات المؤهلة قدرة أكبر على اختيار الهيكل الذي يتناسب مع مرحلة نموها وطبيعة احتياجاتها.
أما بالنسبة للمستثمرين، فإن الائتمان الخاص يمثل فئة من الأصول غير المدرجة التي يمكن أن توفر تدفقات دخل مرتبطة بعقود التمويل، مع بقاء العائد والمخاطر مرتبطين بجودة الائتمان والهيكل التمويلي.
خاص_الفابيتا


