هناك فرق شاسع بين من يرسم الخريطة ومن يعبر الطريق، فالأول يعرف أين تقع المدن على الورق، والثاني يدرك أين تنزلق به القدم. وفي بعض مجالس إدارتنا، نخلط بين الاثنين، فنمنح مقعد القيادة لمن يجيد شرح نموذج العمل، لا لمن يعرف كيف ينقذه حين يتعثر.
إن القدرة على تفكيك نموذج تجاري أمام المجلس بعرض أنيق لا تعني - بالضرورة - القدرة على قيادته في يوم يهبط فيه السوق أو تتخبط فيه الفرق. فالمشكلة هنا ليست في الاستشاري الذي يصمم ويحلل، فهو يؤدي دوره المتوقع منه بإتقان، بل تكمن المشكلة في مجالس الإدارة التي تبحث في قاعات الاجتماعات المغلقة عن الطمأنينة ووهم اليقين وختم الجودة الذي توفره العروض المنمقة، فتحمل أصحابها دورا تنفيذيا لم يصمموا له، وتنسى أن تسأل السؤال الأبسط: ماذا بنى هذا الشخص فعلا وماذا حدث للفرق التي قادها بعد أن غادر؟
هنا تطل علينا دراسة مشروع جينوم الرؤساء التنفيذيين (CEO Genome Project) المنشورة في مجلة هارفارد للأعمال، والتي استندت إلى تحليل بيانات آلاف القادة، لتشير إلى أن المجالس تبالغ غالبا في تقدير السير الذاتية المثالية والمهارات التحليلية العالية، في حين أن القدرة على التنفيذ الموثوق واتخاذ القرارات الحاسمة هي المؤشر الحقيقي للنجاح.
هذا الفخ يجعل المنظمات تدفع فاتورة باهظة. فمع انطلاق التحولات الكبرى، اعتمدت بعض المنظمات في بداياتها اعتمادا شبه كلي على بيوت الخبرة لبناء استراتيجياتها. كانت المخرجات مبهرة والوثائق متقنة، لكن عند لحظة التنفيذ، اكتشفت تلك المنظمات أن من رسم الخطة لم يدر يوما فريقا جديدا يفتقر إلى التناغم ولم يواجه أزمة صباحية تحتاج إلى قرار حاسم قبل الظهر. بسبب ذلك، تراجع الأمان النفسي لدى بعض القيادات والموظفين، وتحولت الهياكل الأنيقة إلى قيود بيروقراطية تكبل المرونة.
وفي السياق ذاته، تشير أبحاث مؤسسة سبنسر ستيوارت (Spencer Stuart) لاستشارات القيادة إلى أن الخبرة السابقة في المنصب لا تتنبأ بالنجاح، وأن ما يصنع النتائج هو مطابقة قدرات القائد للسياق الذي تمر به المنظمة، أو ما تسميه "الملاءمة السياقية" (Contextual Fit). ومن هنا فإن القائد البارع في إعادة الهيكلة يمتلك أدوات تختلف عن القائد القادر على إدارة التوسع وزيادة رأس المال.
وتبرز الأمثلة المحلية لتوضح كيف تتعامل المجالس الناضجة مع هذه المتطلبات بوعي مختلف. فهناك تجربة قريبة لإحدى الشركات المدرجة في السوق السعودية تقدم حالة جديرة بالتأمل، حيث انتقلت من قيادة أنيط بها مهمة إعادة الهيكلة إلى قيادة مهمتها التوسع وزيادة رأس المال، وهو ما يمكن قراءته كتخصيص للقائد بحسب المرحلة. هذه التغييرات المدروسة تعكس توجها واضحا يثبت أن المجالس الفاعلة لا تختار قادتها بحسب براعة العرض التنظيري، بل تختار قيادات ميدانية مختلفة لكل مرحلة بحسب سجل التنفيذ المطلوب، وتدرك أن الحوكمة لا تبنى بالوثائق، بل بقادة يصنعون فرقا تعمل بثقة وتتخذ قرارات حاسمة.
ورغم أن لوائح الحوكمة تحمل لجان الترشيحات مسؤولية تحديد المهارات، إلا أن معظم اللجان لا تزال تقيس المؤهلات وسنوات الخبرة بدلا من قياس عمق الخبرة (سجل التنفيذ).
من المهم للغاية وقبل أن يصادق أي مجلس على مرشح لمنصب تنفيذي، أن يسأل عن آخر قرار خاطئ اتخذه المرشح وكيف صححه، وطبيعة الفرق التي بناها بنفسه وأين موقع أعضائها اليوم، والاستراتيجيات التي نفذها على أرض الواقع متجاوزا مرحلة التصميم ليحقق تغييرا ملموسا في الأرقام والنتائج. لا يمكن لبلاغة الطرح وحدها أن تجيب عن هذه الأسئلة، بل النتائج وحدها هي التي تتحدث. ولجعل هذا المعيار قابلا للتطبيق، يمكن للجان الترشيحات تبني أدوات سلوكية تركز على محاكاة الأزمات وتتبع الأثر الفعلي للمرشح في بيئاته السابقة، لضمان أن القيادة التنفيذية تسند لمن يملك سجلا حقيقيا في التنفيذ.
إن المجالس الذكية هي تلك التي تميز جيدا بين من يصف الطريق ومن يقوده، وقبل أن تسلم أحدا دفة أي منظمة، تتأكد أولا وقبل كل شيء من أنه سبق له أن عبر بها عرض البحر!
خاص_الفابيتا


