موت وخراب بيوت

24/09/2026 0
أيمن مؤمن

"كده يبقى موت وخراب بيوت" مثل مصري عامي تتعدد الروايات حول أصل حكايته، من بينها رواية عن فرض ضريبة على أهل الميت قبل دفنه، فوجدت بعض الأسر نفسها أمام مصيبة الموت ومصيبة أخرى فوق مصابها.

وربما لهذا استقر المثل في الذاكرة الشعبية بهذه الصيغة؛ فالمصيبة حين تأتي لا تحتاج بالضرورة إلى مصيبة أخرى تزيد من ثقلها.

ومن هنا تذكرت هذا المثل وأنا أتابع مشهدًا مختلفًا تمامًا، لكنه يحمل المفارقة نفسها: شركة تسجل خسائر، ثم تدفع في الوقت نفسه ملايين الريالات لكبار التنفيذيين في صورة رواتب ومكافآت.

وقد طالعت أمس تعميم هيئة السوق المالية السعودية، الذي طالبت فيه الشركات المدرجة بمراجعة سياسات مكافآت أعضاء مجالس الإدارة واللجان المنبثقة عنها والإدارة التنفيذية، والتأكد من أن تتضمن معايير واضحة تراعي أداء عضو مجلس الإدارة وأداء الشركة، مع الإفصاح عنها والتحقق من تنفيذها.

التعميم في حد ذاته ليس جديدًا في مضمونه بقدر ما أعاد فتح ملف قديم: ماذا يحدث عندما تخسر الشركة، بينما تستمر المكافآت في التدفق؟ السؤال هنا ليس افتراضيًا. فبحسب إحصائية أعددتها استنادًا إلى البيانات الواردة في التقارير السنوية، بلغ إجمالي الرواتب والمكافآت التي حصل عليها كبار التنفيذيين في الشركات المدرجة التي سجلت خسائر خلال عام 2025 أكثر من 567 مليون ريال، فيما بلغت الخسائر الإجمالية لهذه الشركات نحو 41 مليار ريال.

وبطبيعة الحال، لا يعني ذلك أن هذا المبلغ هو الذي تسبب في هذه الخسائر، فالفارق بين الرقمين كبير، ولا يمكن وضعهما في علاقة سببية مباشرة. لكن مجرد وجود الرقمين في المشهد نفسه يطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله: كيف تبدو المكافأة في شركة أنهت عامها بخسائر؟

فالراتب مقابل العمل والمسؤولية، وهذا أمر لا جدال فيه. أما المكافأة فهي بطبيعتها شيء إضافي، يفترض أن يكون لها ما يبررها من نتائج أو أهداف تحققت. وهنا يصبح من حق المساهم أن يعرف: لماذا دُفعت؟

والإنصاف يقتضي في الوقت نفسه ألا ننظر إلى كلمة "خسائر" وحدها ونبني عليها حكمًا كاملًا. فالشركات قد تخسر لأسباب كثيرة؛ بعضها يتعلق بظروف السوق والاقتصاد، وبعضها بخسائر غير متكررة، وبعضها بقرارات استثمارية طويلة الأجل لم تظهر نتائجها بعد.

وقد تكون الإدارة نفسها قد نجحت في الحد من الخسائر، أو حققت بعض الأهداف رغم النتيجة النهائية. لكن ذلك لا يغيّر من حقيقة أن الشركة أنهت عامها خاسرة، ولذلك لا أرى أن المكافأة يجب أن تصبح أمرًا طبيعيًا لمجرد أن الإدارة حققت بعض النتائج الإيجابية. فإذا كانت هناك مكافأة، فيجب أن يكون لها مبرر واضح ومحدد، يوضح للمساهم لماذا استحقتها الإدارة رغم خسارة الشركة.

في النهاية، الخسارة ليست مجرد رقم في قائمة الدخل. خلفها مساهم وضع أمواله في الشركة، وموظف قد يقلق على وظيفته، ومورد ينتظر مستحقاته، وشركة تضطر إلى مراجعة إنفاقها، وربما إعادة هيكلة أعمالها أو البحث عن مصادر تمويل جديدة.

ومرة أخرى، لا يعني ذلك أن كل ريال دُفع في صورة مكافأة كان يجب ألا يُدفع، لكن من الطبيعي أن يصبح الأمر أكثر حساسية عندما تكون الشركة خاسرة، خصوصًا بالنسبة إلى مساهم يرى قيمة استثماره تتراجع أو لا يحصل على توزيعات، ثم يرى في المقابل ملايين الريالات تُدفع لكبار التنفيذيين. لذلك، ليس المطلوب أن تصبح المكافآت ممنوعة لمجرد أن الشركة سجلت خسارة، وإنما أن تكون مفهومة ومبررة وقابلة للتفسير أمام المساهمين.

لكن عندما تخسر الشركة، يصبح السؤال عن كيفية إدارة الخسارة أهم. هل نراجع المصروفات؟ هل نعيد النظر في القرارات التي لم تنجح؟ هل نبحث عن مصادر جديدة للإيرادات؟ هل يتحمل الجميع جانبًا من تبعات المرحلة الصعبة؟ أم تستمر بعض البنود كما لو أن شيئًا لم يحدث؟

هنا تحديدًا تصبح المكافآت محل نظر. لأنها ليست مجرد رقم آخر في قائمة المصروفات، وإنما رسالة أيضًا إلى المساهمين عن كيفية تعامل الشركة مع نتائجها.  

ولذلك، ربما لا تكون المشكلة في أن الشركة الخاسرة دفعت مكافآت، وإنما في أن المساهم لا يستطيع أن يفهم لماذا دفعتها. وعندها فعلًا.. 

يبقى موت وخراب بيوت.

 

خاص_الفابيتا