يحتاج سوق العمل إلى إعادة تفكير ومراجعة مستمرة بين الحين والآخر؛ إذ إن طبيعة الأمور الاقتصادية متغيرة من جهة، وطبيعة الاقتصاد السعودي فريدة من جهة أخرى. وإضافةً إلى هذا التحدي المزدوج، ولأن سوق العمل في نهاية المطاف يتعامل مع العنصر البشري، فلا بد من التزام سياسة واضحة وطويلة المدى؛ ذلك أن التغيير المتكرر في السياسات العامة يبعث برسائل قد لا تخدم الأهداف الاقتصادية والتنموية، كما أنه يرفع حالة "عدم اليقين" لدى جميع المشاركين من أفراد وشركات ومنظومة تعليمية، وصولاً إلى العلاقة مع الدول المجاورة والمستثمرين المحتملين.
لماذا يُعدّ الاقتصاد السعودي فريدا؟ لن أدخل هنا في مراجعة مستفيضة للاقتصاد السعودي، بل سأتحدث عنه فقط من زاوية العمل. تُوصَف السعودية دائماً بالوفرة المالية، وقلة الكثافة السكانية، وزيادة نسبة المتعلمين، وارتفاع معدلات التمدن (نسبة السكان في المدن). لكنها تختلف جوهريا عن حالة دول الخليج الأخرى التي تتبع نموذجا اقتصاديا مختلفا؛ ربما أبرز ملامحه الانفتاح الواسع على الاستقدام لتعويض النقص البشري، إلى حدٍّ يصعب معه إقامة كيان ملموس ماديا دون هجرة اقتصادية واسعة ووفرة مالية استثمارية.
في المقابل، يمثل النموذجَ الآخر في المنطقة دولٌ مثل مصر وإيران وتركيا، وربما اليمن والسودان، رغم الاختلافات المعتبرة بينها من حيث الفائض والكفاءة البشرية، والسبق أحيانا في بعض جوانب التجربة الاقتصادية. تقف السعودية في حالة وسطية بين هذين النموذجين؛ لذا لا بد أن تكون الحلول المطروحة مختلفة.
تأتي فرادة السعودية أيضاً في سياق عالمي جديد بدأ يتشكل؛ فالنموذج التقليدي المقبول في سياسات التنمية الاقتصادية كان يقوم على انتقال الدول من مرحلة الزراعة (إصلاح الأراضي)، ثم تسخير المال الخاص والعام عبر سياسات لتجميعه واستثماره داخليا في البنية التحتية والمادية والبشرية، للوصول أخيرا إلى ميدان الصناعة؛ كونها القطاع الأكبر استيعابا للوفرة البشرية، وبها ينتقل الاقتصاد والتجارة من السلع غير القابلة للمبادلة إلى السلع القابلة للتصدير، مما يحقق فائضا تجاريا كالنموذج الكوري، وتصبح الدولة جزءا من سلاسل الإمداد والخدمات الدولية.
المراقب للاقتصاد السعودي سيجده بعيدا عن هذا التسلسل لأسباب موضوعية؛ فلم تكن السعودية دولة زراعية بالمعنى الذي عليه مصر أو باكستان مثلاً، كما أن توفر المال بسهولة جعل تسخيره أمرا يفتقر إلى الانضباط؛ نظرا لضعف ارتباطه المباشر بالإنتاج كما حدث في اليابان أو الصين. كذلك لم تحدث ثورة صناعية تقليدية؛ لأن بداياتها كانت تراهن على عمالة كثيفة، قليلة التكلفة، وماهرة.
علاوة على ذلك، طرأت تطورات عالمية أخرى لا تقل أهمية؛ فكلما ظننا أننا تمكنا معرفيا من مفهوم ما، طرأ عليه تغيير سريع. فدخول الصين وتطور تقنيات التصنيع غيَّرا قواعد اللعبة؛ فلم تعد الصناعة تستوعب الملايين بعد أن دخل التصنيع مرحلة جديدة من الأتمتة، وهي مرحلة من المرجح أن تتسارع بفضل الذكاء الاصطناعي والمنصات المرنة. وربما كانت بنجلاديش آخر دولة حاولت الانتقال من الزراعة والصناعات الخفيفة كالنسيج، لكنها تعثرت في الانتقال للصناعات ذات القيمة الأعلى؛ لتقادم النموذج القديم من جهة، ونقص المال والمستوى العلمي والتقني اللازم للتصنيع الحديث من جهة أخرى، بل إن الصين نفسها قلصت أعداد العاملين في القطاع الصناعي بحدة خلال العقد والنصف الأخيرين.
حاولتُ في هذا المقال وصف حالة "نهاية نموذج" والحاجة إلى صياغة "نموذج جديد" يتماشى مع تطلعات الرؤية الوطنية لتحديث الاقتصاد وتطويره. تكمن الصعوبة في إدارة قطاعات العمل، والصناعة، والتعليم، والمال، بشكل منفصل؛ لأن هذه القطاعات تتفاعل وتؤثر في بعضها بطريقة عضوية.
على سبيل المثال: أغلب الوظائف المستقبلية لن تتطلب تعليما جامعيا، ولكن لا بد من رفع أجور شاغليها بناء على رفع مستوى الإنتاجية والحماية من منافسة العمالة الوافدة. وسيكون معيار النجاح في إدارتها هو القدرة على التعامل مع الأولويات والتسلسل بدقة و وضوح.
معطيات النموذج الجديد متوفرة؛ فليس هناك ضغط سكاني يرهق صناع السياسة، خاصة إذا تحول النموذج من استهلاكي إلى إنتاجي عبر تنظيم قطاعَي التجزئة والخدمات (حيث ترتكز أغلب الوظائف التي لا تتطلب تعليما عاليا) لتعزيز دور المواطن مع الحفاظ على التنافسية. لا ينبغي أن نغفل دور العاطفة فكلما ترتفع نسبة التوطين تلعب الوطنية والحرص على ما يفيد الفرد ووطنه دورا في رفع إنتاجيته؛ إذ إن الاستيعاب الكامل لهذه القطاعات سيساعد في توجيه الكثيرين تدريجيا نحو المجالات الفنية التطبيقية.
الربط بين هذا التوجه وبين مراجعة حصيفة وعلمية لملف الاستقدام وتكاليفه المباشرة وغير المباشرة يُعدّ أمرا ضروريا بالنظر إلى نوع الاقتصاد الذي نستهدفه مستقبلا، خاصة أن الذكاء الاصطناعي والذي أخذته السعودية كخيار استراتيجي سوف يضغط على التوظيف، وقد بدأ التأثير السلبي على الأجور في الدول المتقدمة.
تاريخيا، تركزت التجربة الصناعية السعودية في القطاعات كثيفة رأس المال والتقنية على حساب الأيدي العاملة. واليوم، تتوفر ميزة مالية وتوجه صحي نحو الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، ودمج وزارتي الطاقة والصناعة، كلها خطوات تصب في الاتجاه نفسه لتعظيم الميزة النسبية في التصنيع الجديد والتمركز التوظيفي الفاعل، بشقيه المدني والعسكري.
خاص_الفابيتا


