عدم وجود تناسق بالمعلومات بين البائع والمشتري لفت نظر عالم الاقتصاد الأمريكي «جورج أكيرلوف» الحائز على جائزة نوبل بالاقتصاد عام 2001 فقدم ورقة عنونها «بسوق الليمون» وهي كناية عن مصطلح أمريكي شائع حول السلعة الرديئة وأثر ذلك الخلل بالمعلومات بين البائع والمشتري مما يؤدي بنهاية المطاف لزيادة حالة التردد بالقرار مما يعني انهيار الأسواق.
فهذه الدراسة التي تحولت لنظرية منذ نشرها عام 1970 تنطبق على أي سوق ومن أهمها سوق الأسهم حيث إن عدم تماثل نشر المعلومات على سبيل المثال بين إدارة الشركة وكذلك من يتمكن من الاطلاع على معلومات داخلية فإنهم بذلك يحصلون على ميزة بمعرفة تفاصيل عن وضع الشركة تمكنهم الاستفادة من هذه المعلومات قبل المستثمرين الذين لا يمكنهم الاطلاع عليها بتساوي مع غيرهم من إدارات الشركات ومن هم قريبون منهم مما يؤدي الى عدم استطاعتهم معرفة قوة الشركة من ضعفها بوقت كافي لاتخاذ القرار الاستثماري الصحيح مما يزيد من حالة التردد والحذر بقصد التحوط، وبالتالي العزوف عن اتخاذ قرار استثماري مناسب خصوصا اذا كانت حالة تباين هذه المعلومات تنطبق على جل الشركات والقطاعات فتصبح اشكالية جذب المستثمرين معقدة، فارتفاع حالة الغموض حول واقع الشركات عموما في السوق سيدفع المستثمرين المستعدين للمغامرة بعدم القبول إلا بسعر يكون أقل مما يستحق السهم لأجل التحوط الزائد مما يعني أنه يضع سعر منخفض يحميه من المخاطرة بسبب الشك بدقة المعلومة عن الشركة أو السوق عموماً.
فهذا التحول نحو سوق الليمون سيؤدي حتما للتأثير على نوعية الشركات التي تنوي الإدراج بالسوق؛ فالجيدة منها لن تقبل بسعر اكتتاب أقل مما تستحق مما يتيح الفرصة لشركات ضعيفة أن تدرج أسهمها مع تخفيض بالسعر، فأي مبلغ يحصل عليه ملاكها سيعد ربحا مجزيا عطفا على الوضع السلبي للشركة بمستقبل أعمالها أو أن عملية التحميل لقوائمها لن تدوم طويلاً حتى يكتشفها السوق؛ فالشركات الجيدة إذا لم تحصل على سعر يعكس قوتها، فتتضرر فكرة إدراجها لأنها لن تجذب رأس المال الذي تحتاجه في توسعاتها القادمة، وهو ما ينعكس سلبيا عليها وعلى الاقتصاد بعكس الشركات الأضعف التي تزداد فرصها للإدراج بصورة أكبر لأن الشركة الجيدة ابتعدت عن السوق فأزيح منافس قوي من طريقها.
ولحل هذه الاشكالية فلابد من زيادة الشفافية والإفصاح لتكون القوائم المالية موثوقة وذات مصداقية عالية، مع استمرارية الإفصاح المستمر عن أي أخبار وبيانات يحتاج السوق لمعرفتها بعدالة بين كل أطرافه، مع التركيز على الحوكمة لتكون جميع هذه المتطلبات عامل يساعد المستثمر على التمييز بين الشركات ليتخذ القرار الجيد مما يحد من مشكلة «سوق الليمون».
الحوكمة والشفافية والإفصاح لم تعد متطلبات تنظيمية بل أصبح لها دور آخر إذ إنها تمثل «أدوات اقتصادية» عالية الأهمية للمساعدة باختيار الشركة الجيدة وجذب الاستثمارات لسوق الأسهم مما يساعد الشركات على النمو بتوفير تمويل من السوق وكذلك تتوظف أموال المستثمرين بالمكان الصحيح لزيادة المنافع لهم.
نقلا عن الجزيرة


