موجة تشديد نقدي جديدة تلوح في الأفق

16/09/2026 0
عمر علاء

تترقب الأسواق العالمية قرار البنك الفيدرالي الأمريكي اليوم الأربعاء لتحديد مسار الفائدة الأمريكية وسط توقعات بأن نشهد رفع لأسعار الفائدة لأول مرة منذ ثلاث أعوام، وذلك بعد ارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية مدفوعة بزيادة أسعار الطاقة، ما يرجح أن يحجم الفيدرالي الأمريكي عن سياسة التيسير النقدي التي انتهجها لخفض الفائدة.

تشير توقعات السوق بنسبة تتخطى الـ 90% أن يرفع الفيدرالي الأمريكي بمقدار 25 نقطة أساس من نطاق 3.5 - 3.75 % إلى 3.75 – 4%، في خطوة تهدف للسيطرة على التضخم بعد وصوله لـ3.4 % في أغسطس، مقارنة بمستهدفات 2%، حتى إن كيفين وارش رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي وصف مسار الأسعار بأنه أصبح إثارة للقلق.

المسألة لا تتوقف عند رفع مرة واحدة، فوفق أداة ""FED Watch، يتوقع أن تستمر الفائدة الأمريكية في مسار صعودي حتى نهاية العام المقبل لتصل إلى نطاق 4.5 – 4.75%، أي زيادة بمقدار 100 نقطة أساس عن المستويات الحالية، ما يعطى صورة أوضح عن سياسة نقدية أكثر تشددًا خلال الفترة المقبلة.

القرار المرتقب سيربك الأسواق بعد نحو عامين من اتباع سياسة التسيير النقدي، وبالتحديد في سبتمبر 2024، حين أقدم الفيدرالي على أول خفض للفائدة بمقدار 50 نقطة أساس بعد أن سجلت أعلى مستوياتها عند 5.25 – 5.5% وتكون واحدة من بين ست مرات يخفض فيها الفيدرالي الفائدة خلال أخر عامين، إلا أن مسار الحرب الأخيرة وارتفاع أسعار النفط، جعل السياسة النقدية الأمريكية تسير عكس الاتجاه المخطط لها.

تتقاطع مسارات الفائدة الأمريكية مع الاقتصاد السعودي في أكثر من محور، يأتي في مقدمتها ربط الريال السعودي بالدولار، ما يدفع البنك المركزي السعودي «ساما» إلى مواءمة تحركاته مع قرارات الفيدرالي، إلى جانب ارتباط المملكة بشكل متزايد بأسواق الدين العالمية.

ويستقر معدل اتفاقية إعادة الشراء «الريبو» في السعودية عند 4.25% منذ ديسمبر الماضي، وهو آخر خفض أجراه الفيدرالي الأمريكي.

كما ينعكس مسار الفائدة العالمية على أسعار النفط، أحد أهم مصادر الدخل للاقتصاد السعودي، في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي تباطؤًا في معدلات النمو. ومن شأن ارتفاع تكلفة التمويل لفترة أطول أن يزيد الضغوط على النشاط الاقتصادي، ويؤثر سلبًا على مستويات الطلب على الطاقة.

ولا تزال الإيرادات النفطية تمثل أكثر من نصف الإيرادات العامة للحكومة السعودية، وبالتالي فإن ضعف الطلب العالمي على النفط قد يفرض ضغوطًا على الأسعار، خصوصًا في ظل محدودية الأدوات المتاحة لضبط المعروض في السوق على المدى القصير.

يعاني الاقتصاد العالمي من تباطؤ النمو، وبذلك تزيد الفائدة المرتفعة من تباطؤ النشاط الاقتصادي نظرًا لارتفاع تكلفة التمويل، ما ينعكس سلباً على مستويات الطلب على الطاقة، والتي تعد أحد أهم مصادر دخل الاقتصاد السعودي. إذ لا تزال الإيرادات النفطية تشكل أكثر من نصف الإيرادات العامة للحكومة. وبالتالي ضعف الطلب يخلق ضغوط على السعر، وذلك ناهيك عن الافتقار للأدوات الكافية لضبط المعروض من السوق حاليًا. 

وتظل أسعار النفط المرتفعة رهينة الاضطرابات الجيوسياسية، لكنها لا تستند إلى عوامل طويلة الأمد خاصة بزيادة طلب السوق، كما أن الاضطرابات الجيوسياسية وغلق مضيق هرمز تلقى بظلالها بشكل سلبي على قدرة دول الخليج بشكل عام، وفي القلب منهم السعودية أكبر مصدر للنفط عالميًا على تصدير الطاقة.

كما أن العوائد الأمريكية المرتفعة تخلق مزاحمة على أسواق الدين العالمية، نتيجة لجوء المستثمرين لأدوات الدين الأمريكية، ولابد الأخذ بعين الاعتبار أن رفع الفائدة لا يأتي بصورة منفردة من الفيدرالي الأمريكي، بل سبقه البنك المركزي الأوروبي الذي رفع الفائدة الأسبوع الماضي لتصل إلى 2.5%، بعد أن رفع الفائدة للمرة الأولى هذا العام في يونيو الماضي، كما أن بنك اليابان رفع معدلات الفائدة لمستويات لم تشهدها اليابان منذ أكثر من 30 عامًا، ما يعطى صورة واضحة عن موجه تشديد نقدي واضحة المعالم تشهدها الأسواق.

لكن الثقة الدولية في التجربة السعودية لا تزال قائمة، والمراهنة على قدرة المملكة على إحداث نقلة في الاقتصاد السعودي عبر رؤية 2030، للتحول من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد متنوع. وتحافظ المملكة على تصنيف ائتماني عند A+، لكن لا شك أن زيادة عوائد السندات لكبرى الاقتصاديات العالمية تجعل المنافسة أكثر شدة، وتضغط على باقي الأسواق.

إذا استطاعت السعودية الحد من تأثير ارتفاع الفائدة على قدرتها على الوصول إلى الأسواق، فإن التحدي الأكبر قد يظهر في تكلفة التمويل نفسها.

وتزداد أهمية ذلك مع استمرار الاستثمارات المرتبطة بتنفيذ رؤية 2030، والتي تتطلب مستويات مرتفعة من التمويل، في وقت ارتفع فيه الدين العام السعودي إلى نحو 1.69 تريليون ريال بنهاية الربع الثاني من العام الجاري، بما يعادل 33.9% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بتقديرات الموازنة عند مستوى 32.7%.

وبالتالي، فإن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول قد يرفع تكلفة خدمة الدين ويزيد الضغوط على المالية العامة، حتى مع بقاء نسبة الدين إلى الناتج عند مستويات منخفضة نسبيًا مقارنة بالعديد من الاقتصادات الكبرى. كما سيتضرر القطاع الخاص أيضا من رفع الفائدة نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل وهو ما يلاحظ من البيانات التى كشفت عن نمو الودائع في البنوك السعودية بنسبة تتجاوز نمو الإقراض، حيث نمت الودائع بنحو 8.6% سنوياً مقابل 6.8% للقروض على أساس سنوي بحسب أرقام شهر يوليو الماضي.

وقد يدعم مسار الفائدة المرتفعة زيادة الودائع والتي شهدت تراجع خلال الأشهر الماضية، مع تخلّف نمو الودائع عن نمو الائتمان للشهر الثاني على التوالي، وذلك على أساس شهري.

كما سجلت الودائع انخفاضاً شهرياً للمرة الأولى منذ تسعة أشهر بنسبة 0.6%- ويعزى ذلك إلى انخفاض حاد في الودائع شبه النقدية بنسبة 11.3%- شهرياً، علاوة على خروج بعض الأموال من الودائع تحت الطلب بنسبة 0.5%- شهرياً، وهي انخفاضات قابلها جزئياً ارتفاع في الودائع لأجل والإدخارية بنسبة 1.7%+ شهرياً. ما يعني ميل المودعون إلى الأوعية طويلة الأجل خلال الفترة الجارية، ونقص في سيولة السوق.

المشهد الحالي لا يعني بالضرورة العودة إلى دورة رفع فائدة طويلة، مقارنة بدورة التشديد التي شهدتها الأسواق العالمية خلال 2022 وحتى 2023 حين تم رفع الفائدة 11 مرة متتالية، لتصل لـ 5.25 - 5.5%، ثم بدأت دورة التيسير منذ سبتمبر 2024 عبر 6 مرات خفض متتالي لتصل إلى 3.5-3.75%.

لكن مسار الفائدة يشوبه حالة من عدم اليقين على المدى الطويل نظرًا لأنه مرهون بمعدلات التضخم المرتفعة المدفوعة بزيادة أسعار الطاقة والاضطرابات الجيوسياسية، التي لا يعلم مداها، وإلى متى ستستمر تلك التوترات.

وبالنسبة للسعودية، فإن قوة المركز المالي، وارتفاع التصنيف الائتماني، واستمرار تنفيذ رؤية 2030، تمنح الاقتصاد هوامش أمان مهمة. لكن ارتفاع تكلفة التمويل وتباطؤ الاقتصاد العالمي وضعف الطلب على النفط تظل تحديات لا يمكن تجاهلها.

 

خاص_الفابيتا