تقريبا أشهر حالة حوكمة مثيرة للاهتمام عالميا الآن هي ما يحدث في أروقة بنك "جي بي مورغان تشيس"، حيث نجد أن رئيس مجلس الإدارة "جيمي ديمون" هو في الوقت نفسه الرئيس التنفيذي للبنك منذ عام (2006م). الأمر الذي تمنعه لائحة الحوكمة السعودية وأغلب أنظمة الأسواق المالية في العالم، والسبب واضح: منح المجلس القدرة على ممارسة الرقابة المستقلة على الإدارة التنفيذية والحد من تركّز سلطة اتخاذ القرارات في يد فرد واحد.
فالسؤال هو إذا كان الجمع بين المنصبين يمثل خطراً حوكمياً يستوجب المنع في أغلب الأسواق، فلماذا يختار أكبر بنك بالعالم العمل بهذا النموذج ويصر على التوصية للمساهمين في كل جمعية برفض بند "تعيين رئيس مجلس إدارة مستقل"؟
الجواب المختصر هو أن مجلس إدارة مورغان تشيس لا يختلف مع منتقديه حول أهمية استقلالية المجلس، وإنما يختلف معهم حول الطريقة المثلى لتحقيقها.
فمنذ سنوات يُطرح على مساهمي البنك بشكل متكرر مقترح تعيين رئيس مجلس إدارة مستقل وفصل منصبي رئيس المجلس والرئيس التنفيذي آخرها في الجمعية الأخيرة للبنك قبل أسابيع قليلة. وفي كل مرة يتمسك المجلس بموقفه الرافض للمقترح، مستنداً إلى أن مؤيدي الفصل لم يقدموا دليلاً عملياً أو تجريبياً يثبت أن الفصل الإلزامي بين المنصبين يؤدي بالضرورة إلى نتائج أفضل للمساهمين أو يمثل نموذجاً حوكمياً أفضل يناسب كافة الحالات. في المقابل، لا ينكر المجلس المخاطر المحتملة المرتبطة بتركيز السلطة في يد شخص واحد، بل يرى أن معالجة هذه المخاطر يمكن أن تتم من خلال منظومة رقابية فعّالة وضوابط حوكمية بديلة دون الحاجة إلى فرض الفصل كقاعدة مطلقة.
وانطلاقاً من هذا المنظور، يستند المجلس في توصيته للمساهمين برفض المقترح إلى المبررات التالية:
الممارسة السائدة في السوق الأمريكي: يستشهد البنك أن الغالبية من أكبر 100 شركة مساهمة أمريكية مدرجة في بورصتي نيويورك وناسداك تدمج بين المنصبين، أو تعيّن رئيساً غير تنفيذي للمجلس. كما أن قطاع الخدمات المالية تحديداً يشهد توجهاً متزايداً نحو دمج الأدوار، مما يثبت ملاءمة الهيكل لطبيعة القطاع وظروفه.
الالتزام الائتماني وقانون ولاية ديلاوير: يرى المجلس أن فرض سياسة "دائمة وجامدة" تُلزم بالفصل الصارم يُعد تقييداً لسلطته التقديرية وإلغاءً لواجبه الائتماني في تقييم الهيكل الأنسب للبنك بناءً على معطيات كل مرحلة. وأن هذا الإلزام قد يشكل مخالفة صريحة لقانون الشركات في ولاية ديلاوير، وهو ذات الدفع القانوني الذي استخدمته عدة شركات كبرى أمام هيئة الأوراق المالية والبورصات (SEC).
الأداء الاستثنائي والعوائد التاريخية للبنك: يربط المجلس نجاح البنك واستقراره المالي مباشرة بكفاءة الهيكل المشترك الحالية للبنك؛ مستدلاً بقدرة البنك المستمرة على تحقيق عوائد تاريخية وتنفيذ مبادرات استراتيجية طويلة المدى مع الحفاظ على ملاءة مالية حصينة. ويستشهد البنك بتفوق العائد الإجمالي للمساهمين (TSR) على متوسط القطاع ومؤشر S&P 500 على مدار سنة وثلاث وخمس سنوات، بالإضافة إلى تحقيق عائد على حقوق الملكية الملموسة (ROTCE) بنسبة 20% عام 2025 كدليل ملموس على فاعلية القيادة تحت هذا النموذج.
فمع هذه الأرقام من الصعب دفع مساهمي البنك للاعتقاد بأن تركيبة المجلس الحالية تضر الشركة في الوقت الذي تتفوق نتائجه على جميع المنافسين الذين يطبقون نموذج الفصل الصارم بين المنصبين. وبحسب توصية المجلس فإن اختيار هيكل القيادة يجب أن يبقى ضمن صلاحياته بحيث يتم تحديده وفقاً لظروف الشركة واحتياجاتها، بدلاً من فرض نموذج حوكمة ثابت لا يراعي اختلاف الشركات والقطاعات والقيادات التنفيذية.
ورغم هذه الدفوع والأرقام القياسية، أوصت شركتا الاستشارات المؤسسية العالمية ISS وGlass Lewis المساهمين بالتصويت لصالح الفصل بين المنصبين، انطلاقاً من اعتبارات حوكمية تقليدية ترى في الجمع بينهما تضارباً كامناً في المصالح يضعف استقلالية المجلس. وعلى الرغم من ذلك انحاز 64.05% من المساهمين لموقف المجلس وصوتوا برفض قرار الفصل الفوري، مقابل تأييد 35.11% فقط منهم للقرار.
الضوابط البديلة التي وضعها البنك:
من المهم الإشارة إلى أن البنك لم يتجاوز مخاطر دمج المنصبين في شخص واحد ويتركها دون معالجة، بل بنى حول تلك المخاطر بنية حوكمية موازية تحاول تعويض غياب الفصل عبر الأدوات التالية:
منصب رئيس الأعضاء المستقلين في مجلس الإدارة (Lead Independent Director): استحدث البنك منصب "رئيس الأعضاء المستقلين" بموجب سياسات البنك الداخلية طالما كان رئيس المجلس غير مستقل. يملك هذا المنصب صلاحيات حقيقية تشمل قيادة الجلسات التنفيذية للأعضاء المستقلين دون حضور الرئيس التنفيذي، والتنسيق بين الأعضاء المستقلين، وتوجيه أولويات المجلس وعملياته. ويصف البنك هذا الدور بأنه أحد أهم أدوات تحقيق الرقابة المستقلة داخل المجلس رغم الجمع بين منصبي الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة ويتم تعيينه من قبل الأعضاء المستقلين في المجلس.
الأغلبية المستقلة: يخضع الهيكل التنفيذي لإشراف مجلس إدارة يتكون في عظمته من أعضاء مستقلين، مما يخلق جدار رقابة موضوعي.
المراجعة الدورية: يقوم المجلس سنوياً بتقييم مدى ملاءمة هيكل القيادة الحالي، لإثبات أن هذا الترتيب ليس وضعاً دائماً بلا مساءلة بل قرار ائتماني يُعاد تقييمه في ضوء مصلحة المساهمين.
سياسة التعاقب الانتقالية (Next CEO Transition): عقب المطالبات المتكررة من المساهمين بالفصل بين المنصبين، أعلن المجلس تبنيه سياسةً تنص على الفصل الكامل بين منصبي رئيس المجلس والرئيس التنفيذي ابتداءً من تعيين الرئيس التنفيذي القادم. وتمثل هذه السياسة حلاً وسطاً يسمح باستمرار الهيكل الحالي، مع تقديم التزام حوكمي واضح تجاه مرحلة ما بعد جيمي ديمون.
السؤال: هل النجاح يعود لطريقة الجمع بين المنصبين أم لقدرة جيمي ديمون؟
رغم قوة النقاط التي يسردها البنك، إلا أن نموذج الجمع بين المنصبين يعتبر ثغرة كبرى؛ فالنتائج المالية القوية قد تثبت أن الجمع بين المنصبين لم يمنع البنك من تحقيق النجاح، لكنها لا تثبت أن الجمع بينهما هو السبب وراء هذا النجاح. فالأداء الاستثنائي قد يكون ناتجاً عن عوامل أخرى عديدة، مثل جودة القيادة التنفيذية الفردية لجيمي ديمون، أو قوة المركز التنافسي للبنك، أو حجم أعماله، أو الظروف الاقتصادية العالمية الحالية. خطورة هذا النموذج لا تكمن في غياب الضوابط الهيكلية فهي موجودة وفعّالة على الورق (إنشاء منصب رئيس الأعضاء المستقلين، أغلبية الأعضاء المستقلين، المراجعة الدورية)، خطورة هذا النموذج تكمن في أن الاعتماد على "الأشخاص المستثنيين" قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً في حال تطبيق نفس الهيكل مع قيادة أقل كفاءة من جيمي ديمون؛ أي أن الأداة الهيكلية موجودة، لكن الدليل على كفايتها وحدها لم يُختبر بعد.
السعودية وأمريكا: هدف واحد.. مسارات مختلفة
هنا نصل لجوهر النقاش؛ الهدف الذي تسعى إليه لائحة الحوكمة ومجلس إدارة جي بي مورغان تشيس واحد في الأساس: ضمان استقلالية الرقابة على الإدارة التنفيذية ومنع إساءة استخدام السلطة. لكن الاختلاف بينهما يكمن في الوسيلة:
المدرسة السعودية (التحوّطية): اختارت معالجة الخطر من جذوره عبر المنع المسبق حمايةً لاستدامة الشركات من تقلبات الكفاءة الفردية. فالمادة (23) من اللائحة تحسم الأمر بنص صريح: "لا يجوز الجمع بين منصب رئيس مجلس الإدارة وأي منصب تنفيذي في الشركة، وإن نص نظام الشركة الأساس على خلاف ذلك." فالفصل هنا ضمان دائم يحدّ من تركّز السلطة ويدعم قدرة المجلس على ممارسة دوره الرقابي باستقلالية. لأن استدامة الشركة مقدمة دائماً على طفرات النجاح المرتبطة بالأشخاص.
المدرسة الأمريكية (التمكينية): تمنح المجلس والمساهمين الصلاحية باختيار هيكل المجلس استناداً إلى واجبات المجلس الائتمانية وطبيعة أعمال الشركة وظروفها الخاصة. وعبر ذلك يرى جي بي مورغان تشيس أن الجمع بين المنصبين يمكن أن يستمر ويكون ناجحاً متى ما أُحيط بضوابط رقابية فعالة تكفل استقلالية المجلس وقدرته على ممارسة دوره الإشرافي على الإدارة التنفيذية. وبالتالي فإن معيار التقييم لا يتمثل في وجود الفصل من عدمه بقدر ما يتمثل في قدرة المنظومة الحوكمية ككل على تحقيق الرقابة الفعالة وإدارة المخاطر وحماية مصالح المساهمين.
الخلاصة
بعد سنوات من السجال والتصويت المتكرر يبقى أكبر بنك في العالم متمسكاً بهيكله الحالي مستفيداً من مرونة الأنظمة الأمريكية. وفي المقابل تصر جهات الحوكمة عالمياً على الفصل الفوري لا التدريجي، بينما لا يمانع المساهمون التأجيل طالما استمر الأداء المالي القوي للبنك.
لكن الواقع أن قصة جي بي مورغان تشيس لا تقدم نموذجاً حوكمياً ناجحاً يتحدى القواعد العالمية، بل شركة تدير استثناءً مؤقتاً بجدول زمني محدد. فما يحدث اليوم له تاريخ انتهاء معلن إذ يقر البنك نفسه بأنه سيطبق نموذج الفصل التام بين المنصبين بمجرد تعيين الرئيس التنفيذي القادم. وهذا التعهد يعني بأن البنك لا يرى الدمج نموذجاً أصيلاً يفضله بشكل عام، بل ترتيباً مرحلياً ارتبط حصراً بوجود قائد بحجم جيمي ديمون.
خاص_الفابيتا


