أعاد إليّ خبر انضمام هيئة المدن والمناطق الاقتصادية الخاصة إلى المنظمة العالمية للمناطق الحرة ذكرى زيارة قمت بها إلى مدينة الملك عبدالله الاقتصادية قبل سنوات، ونقاش دار آنذاك مع أحد الأصدقاء لا يزال حاضراً في ذهني يدور حول كيف يمكن تعظيم العائد الاقتصادي من هذه المناطق، ليس فقط بما تستقطبه من استثمارات، بل بما تضيفه إلى الإنتاج والتوظيف والصادرات والقدرات المحلية؟
وتعيد هذه العضوية طرح ذلك السؤال في توقيت مهم، لما تتيحه تلك الفرصة من تمثيل المناطق السعودية ضمن شبكة دولية، والوصول إلى الخبرات وقواعد البيانات المتخصصة، والتواصل مع مشغلي المناطق والمستثمرين حول العالم. لكن، في رأينا، لن تتحدد قيمتها الاقتصادية بالحضور في الشبكة وحده، بل بما ينتج عنها من تحسين في أداء المناطق وتعظيم مساهمتها في الاقتصاد الوطني.
ولفت انتباهي أيضاً ما نشره صندوق النقد الدولي مؤخراً حول المناطق الاقتصادية الخاصة وكيفية معالجة الضرائب عليها. واستعرضت الورقة الخبرة العالمية لهذه المناطق، التي تجاوز عددها ستة آلاف منطقة في السنوات الأخيرة، وخلصت إلى أن أداءها ما زال متفاوتاً، فبعضها أصبح محركاً للتصنيع والتصدير والابتكار، بينما تحول بعضها الآخر إلى جزر اقتصادية محدودة الروابط بالاقتصاد المحلي ومرتفعة التكلفة المالية. ولا يذهب تحليل فريق العمل إلى رفض الحوافز مطلقاً، بل يدعو إلى تصميمها بما يخدم أهدافاً اقتصادية واضحة، وأن تكون محددة المدة وخاضعة للتقييم، مع إعطاء الأولوية للحوافز القائمة على تكلفة الاستثمار الفعلية بدلاً من الإعفاءات المرتبطة بالأرباح. والمقصود بذلك أن يكون منح الحافز مشروطاً بإنفاق أو نشاط يمكن التحقق منه، مثل إنشاء مصنع أو شراء معدات أو تطوير تقنية لها عائد واضح، بدلاً من الاكتفاء بإعفاءات على الأرباح قد تستفيد منها مشروعات كانت ستُقام حتى من دون الحافز، ولا تضمن بالضرورة استثماراً أو إنتاجاً إضافياً.
وتوضح ورقة الصندوق أن الحوافز ليست دائماً العامل الحاسم وحده في قرار المستثمر، إذ تتقدم عليها غالباً جودة البنية التحتية، ووضوح الأنظمة، وكفاءة الإدارة، وتوافر المهارات، وسرعة الإجراءات والوصول إلى الأسواق. وتزداد أهمية ذلك مع التغيرات في النظام الضريبي الدولي، التي تقلل تدريجياً من جدوى الاعتماد على خفض الضريبة وحده.
وفي ذلك السياق، تجدر الإشارة إلى أن انضمام الهيئة إلى المنظمة الدولية يأتي بعد دخول اللوائح التنظيمية للمناطق الاقتصادية الخاصة في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية ورأس الخير وجازان والحوسبة السحابية والمعلوماتية حيز التنفيذ في بداية أبريل 2026. وكانت الهيئة قد أعلنت في مايو 2023، بعد شهر من إطلاق المناطق الأربع، أنها استقطبت استثمارات مبدئية تجاوزت 47 مليار ريال، فيما تجاوز إجمالي الاستثمارات الإضافية الجاري تنفيذها آنذاك 116 مليار ريال. وهي أرقام تعكس اهتماماً استثمارياً مهماً، غير أن تقييم أثرها الاقتصادي يتطلب تتبع ما تحول منها إلى استثمارات متعاقد عليها ومنفذة، وما انتقل من مرحلة الترخيص إلى الإنتاج والتصدير. كما يتطلب تحديد ما إذا كان الاستثمار قد جاء بفضل مزايا المنطقة، أم كان سيُقام في المملكة في جميع الأحوال أو انتقل إليها من موقع آخر داخل المملكة. فالعبرة ليست فقط بحجم الاستثمار المسجل داخل المنطقة، بل بمقدار النشاط الاقتصادي الجديد الذي أضافته إلى الاقتصاد الوطني.
ولعلنا نذكّر القارئ بأن الاهتمام بقياس العائد الاقتصادي ليس منفصلاً عن تحسين التنافسية بشكل عام، إذ يكشف أين تُحقق الحوافز والبنية التحتية والتنظيم أثراً فعلياً، وأين تحتاج المنظومة إلى تعديل أو استهداف أدق، حتى تصبح المنطقة أكثر قدرة على جذب الاستثمار النوعي والاحتفاظ به.
وتوضح التجارب الدولية كيف يمكن تحويل هذه المبادئ إلى نماذج عملية، ولعلنا نسلط الضوء على تجربتا الصين وأيرلندا، في مقابل ما تكشفه التجربة الهندية من مخاطر التوسع غير المنضبط. ففي الصين، لم تنجح منطقة شنتشن لأنها قدمت الحوافز فقط، بل لأنها استُخدمت كمنصة لاختبار الإصلاحات وربط الاستثمار بالتصنيع والتصدير، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى الابتكار والتقنية. فقد ارتفع ناتجها المحلي من نحو 270 مليون يوان عند إنشاء المنطقة في 1980 إلى أكثر من 3.87 تريليون يوان في 2025، وبلغت القيمة المضافة للصناعات الاستراتيجية الناشئة 43% من الناتج المحلي.
وفي أيرلندا، أُنشئت منطقة شانون الحرة في 1959 لمعالجة تراجع دور المطار بعد تطور الطيران بعيد المدى، وتحولت من استجابة لمشكلة محلية إلى تجمع للصناعات التصديرية والطيران والتقنية والأجهزة الطبية. وتضم اليوم نحو 170 شركة توفر أكثر من ثمانية آلاف وظيفة، وتولّد صادرات سنوية بمليارات اليورو. وكان نجاحها في إعادة توظيف أصولها وتطوير تخصصها مع تغير الأسواق، لا في استمرار الحوافز وحدها.
أما الهند فتقدم، في المقابل، درساً في مخاطر التوسع قبل التحقق من الطلب وكفاءة الحوكمة. فقد أظهر تدقيق رسمي صدر عام 2014 أن 38.8% فقط من المناطق التي أُعلن عنها رسمياً أصبحت عاملة، وأن 52% من الأراضي المخصصة بقيت غير مستغلة. كما كشف التدقيق، في عينة من 152 منطقة، فجوات في تحقيق مستهدفات الاستثمار والتوظيف والصادرات. وأضعف تعدد الموافقات بين الحكومة المركزية والولايات فاعلية النافذة الموحدة. وعلى الرغم من نجاح بعض المناطق الهندية، فإن التجربة توضح أن التوسع في التراخيص والأراضي والحوافز قبل التأكد من الطلب وكفاءة الحوكمة قد ينتج مناطق على الورق أكثر مما ينتج نشاطاً اقتصادياً فعلياً.
وتكشف هذه التجارب أن الفارق بين النجاح والتعثر لا يكمن في الحافز وحده، بل في وضوح وظيفة المنطقة، وكفاءة إدارتها، وقدرتها على التكيف، وارتباطها بالموردين والمهارات والأسواق، ووجود نظام يقيس النتائج مقارنة بما تحملته الدولة.
ومن هنا يمكن تحويل العضوية الجديدة إلى برنامج عملي لتفعيل العضوية وتعظيم الأثر يمتد، مثلاً، لثلاثة أعوام ويُراجع باستمرار، تُربط من خلاله كل منطقة اقتصادية خاصة في المملكة بعدد محدود من المناطق الدولية المماثلة لها في التخصص. وبالطبع، لا يكون الهدف تبادل الزيارات أو الاطلاع العام على التجارب فقط، بل معالجة تحديات تنفيذية، مثل اختصار زمن بدء النشاط، أو استقطاب حلقة مفقودة من سلسلة القيمة، أو تطوير الموردين والمهارات.
ويصاحب ذلك إعداد تقرير أثر اقتصادي سنوي لكل منطقة، يميز بين الاستثمارات المعلنة والمتعاقد عليها والمنفذة، ويقيس القيمة المضافة والصادرات والمشتريات المحلية والوظائف النوعية والإنفاق على التدريب والبحث والتطوير، مقابل تكلفة الحوافز والبنية التحتية، وبذلك تُستخدم النتائج لتطوير الخدمات والاستهداف القطاعي، لا لمجرد إضافة مؤشرات جديدة.
ونرى أن تطوير المورد المحلي من أهم وسائل تعظيم العائد من الاستثمار في هذه المناطق الاقتصادية الخاصة. ويمكن لكل منطقة تحديد احتياجات مستثمريها خلال الأعوام المقبلة، وربطها بالمنشآت السعودية القادرة على التوريد، ومساعدة المنشآت الواعدة على سد فجوات الجودة والتمويل والشهادات الفنية. والهدف ليس فرض مشتريات محلية غير مجدية، بل بناء مورد سعودي يستطيع البيع للمستثمر داخل المنطقة، ثم الانتقال معه إلى الأسواق الدولية. كما يمكن ربط جزء من الحوافز بتنفيذ الاستثمار وشراء الأصول ورفع المشتريات المحلية والتصدير وتدريب السعوديين ونقل التقنية، مع مراجعتها دورياً ومقارنة تكلفتها بما حققته من قيمة اقتصادية إضافية. وبذلك تتحول الحوافز من مزايا تُمنح عند تسجيل المشروع إلى استثمار عام مرتبط بنتائج قابلة للقياس.
ختاماً، لا ينبغي أن تُقاس المنطقة الاقتصادية الخاصة بوصفها وعاءً لجمع الاستثمارات فقط، بل بوصفها أداة للتحول الاقتصادي. فمعيار نجاحها هو العائد الاقتصادي الصافي بعد احتساب كلفة الحوافز والبنية التحتية، وقدرتها على تحويل الاستثمار إلى إنتاجية أعلى، وموردين وطنيين، ومعرفة متراكمة، وتكامل أعمق في سلاسل القيمة، وصادرات قابلة للنمو. فإذا ظل النشاط معزولاً داخل حدود المنطقة أو معتمداً على استمرار الامتيازات، تكون المنطقة قد جذبت استثماراً، لكنها لم تبنِ بعد قدرة مستدامة تساهم في تنويع القاعدة الاقتصادية.
خاص_الفابيتا



مقال رائع د. أحمد المناطق الاقتصادية لم تفعل الدور المأمول منها منذ إنطلاق بعضها، ونتمنى ان يتحول هذا الأمر لنجاحات مستقبلية.
بناء قدرة مستدامة نساهم في تنوع القاعدة الاقتصادية يبدأ من الاستفادة الفعلية من الاوفست اوبليقيشن وتوظيفها بكفاءة وفعالية وبناء منظمومة موردين سعودين اكفاء وهذا يحتاج الى ازالة العوائق وتصدير تقارير واقعية تعود بالنفع العام عند دراستها ومعالجتها. شكرا د. احمد ...مقال في منتهى الروعة