قال رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كيفن وورش في حديثه بأن: «النقود مهمة». للوهلة الأولى تبدو جملة بديهية ولا تحتاج إلى أن يقولها رئيس الفيدرالي أكبر بنك مركزي في العالم، فماذا يمكن أن يكون أهم للبنك المركزي من النقود؟! لكن خلف العبارة قصة اقتصادية أطول.
قبل عقود، كان نمو كمية النقود من أهم الأرقام التي يراقبها الاقتصاديون لفهم التضخم، ثم تراجع الاهتمام به تدريجياً، ليس لأن النقود فقدت أهميتها، بل لأن العلاقة التي عرفناها بينها وبين الأسعار لم تعد تعمل بالطريقة نفسها.
في السبعينات الميلادية، كان المشهد أبسط. التضخم مرتفع، والمعروض النقدي ينمو بسرعة، جاء معها ميلتون فريدمان بفكرته الشهيرة حول العلاقة بين النقود والتضخم. لكن العالم تغير بعد ذلك؛ انخفض التضخم، وتطورت البنوك والأسواق، وظهرت أدوات مالية جديدة، وتغيرت سرعة انتقال النقود داخل الاقتصاد.
أصبح من الممكن أن تزيد السيولة دون أن نرى ارتفاعاً مماثلاً في الأسعار. ومع مرور السنوات، تراجعت قدرة نمو المعروض النقدي M2 أو M3 على توقع التضخم، فتراجع معه اهتمام البنوك المركزية بهذا المؤشر ودخل المشهد معه مؤشرات إضافية أخذت من وزنه.
ثم جاءت الجائحة وغيرت المشهد مرة أخرى. في الولايات المتحدة قفز نمو M2 إلى أكثر من 25% سنوياً عند ذروته، وفي منطقة اليورو تجاوز نمو M3 مستوى 10%. كانت الحكومات تدعم الدخول، والبنوك المركزية تشتري السندات، والبنوك تمنح الائتمان، بينما كان الناس في منازلهم ولا يستطيعون إنفاق جزء كبير مما يصل إليهم. تراكمت السيولة أولاً، ثم أعيد فتح الاقتصاد وخرج الطلب دفعة واحدة إلى عالم لا تزال مصانعه وموانئه وسلاسل إمداده تعمل بأقل من طاقتها.
بعد ذلك وصل التضخم الأمريكي إلى 9.1% في يونيو 2022، والأوروبي إلى 10.6% في أكتوبر. من السهل بعد ذلك القول إن زيادة النقود سببت التضخم، لكنه استنتاج ناقص؛ فالطاقة ارتفعت، وسلاسل الإمداد تعطلت، والسياسات المالية كانت توسعية. ربما لم تكن السيولة هي الشرارة التي أشعلت التضخم، لكنها كانت كمية إضافية من الوقود تنتظر الشرارة.
الأكثر لفتا للنظر دراسة لبنك التسويات الدولية شملت عشرات الاقتصادات وجدت شيئاً غير مألوف عندما يكون التضخم منخفضاً، تصبح العلاقة بين نمو النقود والأسعار ضعيفة، لكنها تقوى بصورة واضحة عندما يصبح التضخم مرتفعاً. بمعنى أبسط، لم يكن المؤشر عديم الفائدة، بل كان يعمل بصورة مختلفة حسب حالة الاقتصاد، وفي الاقتصاد البديهيات في القول تحمل بعد أعمق ومتشعب.
وهنا تصبح القصة أكبر من النقود. فنحن نحب في الاقتصاد العلاقات الواضحة: ترتفع الفائدة فينخفض الاستثمار، تنخفض البطالة فترتفع الأجور، وتزيد السيولة فترتفع الأسعار. لكن هذه العلاقات ليست مفاتيح تعمل بالقوة نفسها في كل وقت. فخفض الفائدة من 8% إلى 6% ليس كخفضها من 1% إلى الصفر، وزيادة السيولة في اقتصاد لديه طاقة إنتاجية فائضة ليست كزيادتها في اقتصاد لا يستطيع إنتاج سلعة إضافية بالسرعة نفسها.
وهذا ربما يفسر لماذا تكون التوقعات الاقتصادية أكثر عرضة للخطأ عند نقاط التحول. فالنماذج تتعلم مما حدث بالأمس، بينما الأزمة تبدأ عندما يصبح الغد مختلفاً عن الأمس. لم يكن الخطأ أن الاقتصاديين لم يملكوا البيانات، بل ربما أنهم كانوا يقرأون بيانات جديدة بعلاقات تشكلت في عالم قديم.
لذلك لا تعني عبارة «النقود مهمة» العودة إلى السياسات النقدية القديمة بل معناها الأعمق أن الاقتصاد لا يغير أرقامه فقط؛ أحياناً تتغير الطريقة التي تتفاعل بها هذه الأرقام مع بعضها. وعندها لا يصبح السؤال: ما المؤشر الذي فاتنا؟ بل: هل تغير الاقتصاد قبل أن نغير الطريقة التي نقرأه بها؟
نقلا عن الاقتصادية


