في غرف مجالس الإدارة، وعند طرح ملف الحوكمة على الطاولة - سواء لاعتماد مصفوفة صلاحيات، أو تشكيل لجنة، أو تحديث سياسة - تتكرر لحظة يعرفها كل من جلس على تلك الطاولة: انقسام صامت بين من يرى في هذه الأطر صمام أمان يحمي المنظمة، وبين من يراها طبقة إجرائية جديدة ستثقل خطى الإدارة وتبطئ قراراتها. وهذا الانقسام ليس خلافا في الرأي بقدر ما هو نتيجة تشويه تراكمي أصاب مفهوم الحوكمة الرشيدة؛ إذ تلطخت بممارسات خاطئة جعلت بعض رؤساء وأعضاء المجالس يترددون في تبنيها، ظنا منهم أنها ستكبل المنظمة وتعيق نموها.
في أصل تشريعها، لم تنشأ الحوكمة لتكون قيدا يلتف حول عنق الإدارة التنفيذية أو عبئا يثقل كاهل مجلس الإدارة، بل صممت لتكون نقطة التوازن الدقيقة بين طموح الإدارة التنفيذية الساعي إلى خلق القيمة، ودور المجلس الرقابي الحريص على حماية تلك القيمة. إن التردد في تبني الحوكمة الرشيدة غالبا ما ينبع من الخلط بين جوهرها النبيل وتطبيقاتها المشوهة. فالحوكمة الحقيقية إطار مؤسسي مرن يترجم رؤية المجلس ويضبط إيقاع المنظمة وفق شهيتها للمخاطر، مما يمنح التنفيذيين مساحة آمنة للابتكار واقتناص الفرص دون العودة في كل صغيرة وكبيرة لطلب الموافقات، مع منح المجلس التأكيدات والتطمينات المطلوبة بأن الأمور تحت السيطرة.
وهذا المعنى متضمن في أطرنا التنظيمية المحلية؛ فجوهر لوائح حوكمة الشركات الصادرة عن هيئة السوق المالية وأنظمة وزارة التجارة جاء لتنظيم العلاقة بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية والمساهمين بما ييسر اتخاذ القرار ويعزز الشفافية والمساءلة وحماية حقوق المتعاملين. وعليه، فالمعيار الحقيقي لا يكمن في مراكمة القيود والمستندات، بل في وضوح الصلاحيات، واستقلالية الرقابة، وتمكين الإدارة من الحركة داخل الحدود المعتمدة.
وهنا يبرز التمييز الجوهري بين "الامتثال الشكلي" و"الحوكمة الفعالة"؛ فقد تمتلك الشركة لائحة للجان، ومصفوفة صلاحيات، وسياسات مكتملة الصياغة، لكنها تظل هشة الحوكمة إذا كانت القرارات المصيرية تتخذ خارج تلك الأطر، أو ظلت تلك الوثائق حبيسة الأدراج. وفي المقابل، قد تبدو شركة أخرى متسارعة في قراراتها، لكنها تفتقر للمرونة الحقيقية إذا كان هذا التسارع مبنيا على تجاوز الضوابط وغياب المساءلة لا على وضوحها ورسوخها.
غير أن الخلل في الممارسة يتجلى في صورتين متقابلتين، كلتاهما تدفع المنظمة ثمنها من رصيد فرصها التنافسية. الصورة الأولى هي فرط الرقابة البيروقراطية: حيث يصبح التركيز منصبا على استيفاء النماذج وتوقيع المستندات بغض النظر عن جدواها، وتتكاثر اللجان والموافقات المتعاقبة والاجتماعات الماراثونية حتى تسود حالة "شلل التحليل". وعالم الأعمال مليء بالشواهد على تكلفة الفرصة الضائعة. فعلى سبيل المثال، شركة "كوداك" ابتكرت الكاميرا الرقمية في مختبراتها عام 1975، لكن طبقات
القرار المتكلسة وثقافة تجنب المخاطرة دفنت الابتكار حماية للمنتج التقليدي، فخسرت الشركة السوق بأكمله وانتهت إلى إشهار إفلاسها. وكذلك "نوكيا" التي أدركت هندسيا تحول سوق الهواتف الذكية مبكرا، لكن بطء دورة القرار وثقافة الخوف الداخلي من نقل الأخبار السيئة للقيادة جعلاها تتفرج على منافسيها يقتسمون عرشها.
أما الصورة الثانية - وهي الأخطر لأنها أقل وضوحا - فهي ضعف الرقابة الممنهجة والاكتفاء بالرقابة الفردية، وذلك حين يستعاض عن الأنظمة والأطر المؤسسية بشخص واحد يفترض أنه يرى كل شيء ويضبط كل شيء! وتتجلى هذه الإشكالية بحدة في قطاع واسع من الشركات العائلية، حيث تدار الرقابة بمنطق الثقة الشخصية والولاء لا بمنطق الحوكمة الرشيدة، فتغيب استقلالية لجان المراجعة، وتتداخل الملكية بالإدارة، وتعلق كفاءة المنظمة بأكملها على حكمة فرد واحد. والتاريخ القريب خير شاهد؛ فانهيار مجموعة "أبراج" الاستثمارية - التي كانت أكبر مدير أصول في الأسواق الناشئة - جاء نتيجة تمركز القرار في يد مؤسسها وغياب الضوابط المؤسسية المستقلة، لا نتيجة نقص في الفرص أو الكفاءات. وهذا ما تؤكده الدراسات المتخصصة في الشركات العائلية ونظرية 30-13-3 التي تشير إلى أن 30% من الشركات العائلية تصمد إلى الجيل الثاني، و13% فقط من الشركات العائلية تصمد حتى الجيل الثالث، وأن 3% منها فقط تعبر للجيل الرابع. وغياب الحوكمة المؤسسية يقع على رأس أسباب هذا التآكل، إذ يرحل المؤسس فترحل معه "المنظومة" التي كانت في صدره لا في وثائق المنظمة.
لذلك لم تعد الحوكمة ترفا مؤجلا للشركات العائلية والخاصة إلى ما بعد التوسع، بل غدت حجر الزاوية في الجاهزية المؤسسية لجذب رؤوس الأموال، وتوسيع فرص التمويل، وبناء شراكات استراتيجية متينة. كما أنها أصبحت شرط العبور الأساسي نحو الإدراج في السوق المالية، سواء في السوق الرئيسية "تاسي" أو السوق الموازية "نمو"؛ فالمستثمر والممول المؤسسي لا يشتريان مجرد نموذج عمل ناجح أو عوائد لحظية، بل يشتريان صدق الإفصاح، ووضوح مسارات القرار، واستقلالية الرقابة، وقدرة المنشأة على الاستمرار والنمو حتى لو تبدلت القيادات والوجوه.
والسؤال هنا: كيف يعيد مجلس الإدارة ضبط بوصلة الحوكمة بين هذين الطرفين؟ يبدأ ذلك بمراجعة دورية لمصفوفة الصلاحيات والتفويضات وربطها مباشرة بشهية المخاطر، بحيث يمنح التنفيذيون حرية الحركة الكاملة داخل الحدود المرسومة. ثم قياس "كلفة القرار" - الزمن المستغرق من الفكرة إلى الموافقة - واعتماده مؤشر أداء للحوكمة ذاتها، فإذا تضخم كان ذلك إنذارا ببيروقراطية عالية. ويلي ذلك ترشيد اللجان بدمج المتكرر منها وإلغاء ما لا يضيف قيمة، مع تحويل ثقافة الرقابة من "سد الذرائع" إلى "إدارة الفرص والمخاطر". وفي المقابل، مأسسة الرقابة بدل شخصنتها عبر لجان مراجعة مستقلة وفاعلة، وفصل واضح بين الملكية والإدارة التنفيذية، وتفعيل قنوات إفصاح شفافة، واعتماد ميثاق عائلي مكتوب في الشركات العائلية ينظم انتقال القرار واستدامة الأعمال قبل أن تفرضها الأزمات.
إن الحوكمة الناجحة هي تلك التي تيسر ولا تعسر، وتوجه ولا تكبل، وتحمي دون أن تشل. والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل مجلس إدارة على نفسه ليس: "هل لدينا حوكمة مستوفاة شكليا؟" بل: "هل حوكمتنا تصنع القيمة أم تستهلكها؟ وهل تقف على منظومة مؤسسية راسخة تمكنها من النمو والوصول لأسواق المال، أم على كتف فرد إذا غاب غابت معه؟"
خاص_الفابيتا


