في الاقتصاد لا تتحرك الأسواق بالأرقام وحدها، بل تتحرك أيضاً بما يشعر به الناس والشركات تجاه المستقبل. قد تكون المؤشرات الرسمية مستقرة، والسيولة متوافرة، والنمو إيجابياً، ومع ذلك يتردد المستهلك في الشراء، ويؤجل المستثمر مشروعه، وتصبح الشركات أكثر حذراً في التوسع. هنا تظهر أهمية ما يعرف عالمياً بـ "Economic Sentiment" أو "مؤشر المعنويات الاقتصادية" وهي التسمية الأكثر استخداماً في الأدبيات الاقتصادية، بينما يمكن التعبير عنه صحفياً بمصطلح أكثر قرباً للقارئ: "مؤشر المزاج الاقتصادي".
فكرة المؤشر بسيطة؛ وهي محاولة قياس درجة التفاؤل أو القلق داخل الاقتصاد قبل أن تتحول هذه المشاعر إلى قرارات فعلية. فالمستهلك الذي يشعر بالثقة في دخله ومستقبله الوظيفي يكون أكثر استعداداً للإنفاق، خصوصاً على السلع غير الأساسية مثل السيارات والسفر والأثاث. أما عندما ترتفع درجة القلق، فإنه يميل إلى الادخار وتأجيل القرارات الكبيرة.
والأمر نفسه ينطبق على الشركات. فإذا كانت تتوقع تحسن الطلب، فقد تزيد الإنتاج والتوظيف والاستثمار وفتح الفروع. أما إذا كانت تتوقع تباطؤاً، فإنها غالباً تصبح أكثر تحفظاً في التوسع والإنفاق.
ولهذا يعد مؤشر المزاج الاقتصادي من المؤشرات المبكرة التي تساعد على قراءة الاتجاه قبل أن يظهر كاملاً في البيانات التقليدية. فالناتج المحلي وأرباح الشركات ومبيعات التجزئة تخبرنا في الغالب عما حدث، بينما تخبرنا مؤشرات الثقة والتوقعات عما قد يحدث لاحقاً.
وتعتمد مؤشرات المعنويات الاقتصادية عادة على استطلاعات تقيس ثقة المستهلكين والشركات، وتوقعاتهم للإنتاج والطلبات والتوظيف والإنفاق والوضع الاقتصادي خلال الفترة المقبلة. ولهذا فإنها لا تقيس قوة الاقتصاد بشكل مباشر، بقدر ما تقيس نظرة المشاركين فيه إلى المستقبل.
لكن المزاج الاقتصادي ليس دائماً دقيقاً. فقد يتغير سريعاً بسبب خبر سلبي، أو تراجع في الأسواق، أو ارتفاع في الأسعار، حتى لو لم تتغير أساسيات الاقتصاد بصورة كبيرة. كما قد يؤدي التفاؤل الزائد إلى المبالغة في تقييم الفرص.
لهذا لا يجب الاعتماد على المؤشر منفرداً، بل استخدامه إلى جانب المؤشرات الاقتصادية والمالية الأخرى. قيمته الحقيقية أنه يضيف البعد النفسي إلى التحليل، ويكشف أحياناً الفجوة بين قوة الأرقام وضعف الثقة، أو بين صعوبة الظروف وارتفاع التفاؤل.
فالاقتصاد في النهاية ليس أرقاماً فقط، بل قرارات يصنعها بشر. ومن يفهم مزاجهم، قد يقرأ حركة الاقتصاد قبل أن تكتمل في الأرقام.
نقلا عن الرياض
