كان من المفترض أن تكون الأسواق الناشئة أكبر الخاسرين من ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية وقوة الدولار والتوترات التي أصابت الاقتصاد العالمي خلال الأعوام الماضية، فهذا ما علمتنا إياه الأزمات السابقة.
لكن اختلفت الصورة إذ تجاوزت تدفقات المستثمرين الأجانب إلى إصدارات ديون الأسواق الناشئة 214 مليار دولار حتى يوليو من هذا العام، وهي الأعلى منذ أكثر من عقدين، فيما بلغت إصدارات السندات الدولية نحو 187 مليار دولار خلال النصف الأول وحده. والسؤال هنا ليس لماذا عادت الأموال، فالعوائد المرتفعة تفسر جزءاً من ذلك، بل لماذا استطاعت هذه الاقتصادات تحمل الظروف التي كانت كافية سابقاً لإشعال أزمة؟
لفهم ما تغير، نلقي الضوء على أزمات تاريخية لأسواق ناشئة أزمات المكسيك 1994 وآسيا في 1997 وروسيا في 1998، فرغم اختلاف أسبابها، كان بينها عامل مشترك، دول تحتاج إلى التمويل الخارجي وتقترض بعملة لا تتحكم فيها، ثم تنخفض عملاتها المحلية فيتضاعف أثر الدين عليها.
هذه المشكلة وصفها اقتصاديون لاحقاً بـ«الخطيئة الأصلية»، أي صعوبة اقتراض الدول الناشئة دولياً بعملاتها، وهو ما جعل حركة الدولار في واشنطن قادرة على تغيير تكلفة الدين في اقتصادات تبعد عنها آلاف الكيلومترات.
لكن 3 عقود غيرت جزءاً مهماً من هذه المعادلة. فعديد من الأسواق الناشئة راكم احتياطيات أكبر، ومدد آجال ديونه، وبنى أسواقاً محلية للسندات، والأهم أنه خلق مستثمراً محلياً لم يكن بالحجم نفسه سابقاً؛ صناديق تقاعد وتأمين واستثمار وبنوك أصبحت قادرة على تمويل الحكومات بعملاتها المحلية.
وتشير تقديرات صندوق النقد إلى أن المؤسسات المحلية باتت تمول أكثر من نصف الدين السيادي في عدد من الأسواق الناشئة، فيما يصل الدين المحلي بالعملة المحلية في بعض الاقتصادات ذات النفاذ المنتظم للأسواق إلى نحو 60% من إجمالي الدين العام.
هذه النقلة لا تعني أن الدولار فقد أهميته، لكنها تعني أن ارتفاعه لم يعد يرفع قيمة كامل الدين بالنسبة نفسها. كما أن المستثمر العالمي نفسه أصبح أكثر استعداداً لتحمل مخاطر العملة المحلية؛ ففي كازاخستان مثلاً ارتفعت حيازات الأجانب من السندات الحكومية المقومة بالتنغي من نحو ملياري دولار إلى 5 مليارات خلال عام، بالتزامن مع ارتفاع العملة نحو 10% أمام الدولار.
غير أن الاقتصاد عادة لا يلغي المخاطر بقدر ما يعيد توزيعها. فانتقال التمويل من الخارج إلى الداخل يقلل خطر العملة وخروج الأموال، لكنه يربط بصورة أكبر بين الحكومة والبنوك وصناديق التقاعد المحلية. فإذا ارتفع الدين بشدة أو تراجعت الثقة في المالية العامة، فإن الخسارة لا يحملها مستثمر أجنبي فقط، بل تنتقل إلى ميزانيات المؤسسات التي تحفظ مدخرات المجتمع وتمول اقتصاده.
لذلك ربما لم تعد عبارة «الأسواق الناشئة» كافية لوصف المخاطر كما كانت سابقاً. فإثيوبيا وزامبيا مرتا بتجارب تعثر وإعادة هيكلة، بينما عبرت اقتصادات ناشئة أخرى موجة الفائدة والدولار بمرونة أكبر بكثير. والفرق لم يعد في مستوى النمو أو حجم الاقتصاد وحدهما، بل في الطريقة التي يمول بها كل اقتصاد نفسه.
ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم للمستثمر اليوم: هل هذه دولة ناشئة؟ بل من يمولها، وبأي عملة، وكم تستطيع الاعتماد على مدخراتها عندما يصبح المال العالمي أكثر تكلفة؟
نقلا عن الاقتصادية


