تسعى معظم الدول إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتدفق الأموال والاستثمارات في اقتصادها ونظامها المالي، وتعد السوق المالية إحدى الركائز الأساسية في جذب الاستثمارات وأسرعها نمواً مقارنة بالقطاعات الأخرى، حيث أصبحت بيئة الأسواق المالية متاحة لجميع المستثمرين في أنحاء العالم ووسيلة جذب ومركز قوة للنمو وأداة تمويلية لبيئة الاقتصاد وانعكاس مباشر لمؤشراته، وتعد من الفوائد المتحققة لفتح السوق لشريحة أكبر من المستثمرين وتعزيز ممارسات الحوكمة العالمية بشكل أوسع، وتنوع قاعدة المستثمرين، وتعزيز مستوى السيولة وارتفاع التدفقات للأموال الأجنبية، والتي ستعزز من نقل الخبرات والمعرفة ودعم المشاريع وزيادة كفاءة الشركات في تطبيق أفضل الممارسات العالمية، وبالتالي ستؤثر على رفع تصنيف السوق المالية وتخصيص وزن إضافي في المؤشرات العالمية مثل مؤشرات مورغان ستانلي (MSCI) ومؤشرات فوتسي (FTSE Russell) وداو جونز (Dow Jones)، وإس آند بي (S&P).
ومن حيث واقع الممارسات العالمية سيتم التطرق لتجارب بعض الدول، ففي تجربة الهند اتسمت رحلة فتح السوق المالية برفع القيود بشكل تدريجي ابتداءً من عام 1992م بالسماح لكل مستثمر مؤسسي أجنبي بملكية لا تزيد عن 5% مع حد أقصى لإجمالي المستثمرين يبلغ 24% من أسهم الشركة مع إمكانية لرفع الحد بقرار من مجلس الإدارة والجمعية العمومية للشركة وإشعار الجهة الإشرافية، وتم تعديل الحد الفردي والإجمالي في الربع الثاني لعام 2020 ليصبح على المستوى القطاعي دون قيود باستثناء قطاعات محددة مثل التأمين، والإعلام، والقطاع المالي بنسبة 74% أو 49% وقد تم إلغاء الحد لبعض القطاعات المقيدة في نهاية عام 2025، وبالنظر إلى إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصاد الهندي منذ عام 2000 حتى نهاية 2025 فقد وصلت إلى ما يزيد عن 764 مليار دولار من 175 دولة، كما اتصفت الإجراءات لفتح السوق للمستثمر الأجنبي في السوق الهندية بمنهجية احترازية.
أما في دولة ماليزيا فقد أزيلت القيود المفروضة على حدود الملكية للمستثمر الأجنبي مُنذ عام 2009م، وشهدت الفترة السابقة فرض قيود على نسب الملكية ومتطلبات للموافقات المسبقة لعملية التملك والتي أُلغيت لاحقاً باستثناء بعض القطاعات إذ لا تزال هناك حدود مفروضة على قطاعات معينة، مثل القطاع المالي بنسبة 70% والقطاع التأميني بنسبة 49%، مع إمكانية تجاوز هذه الحدود بشرط أن تكون الأسهم التي تتجاوز هذه النسب أسهمًا مقيدة في عملية التصويت. وفي تجربة فيتنام تشير معظم النتائج إلى أن المستثمرين الأجانب يتبنون أفقاً استثمارياً طويل الأجل ويستخدمون استراتيجية الشراء والاحتفاظ للاستفادة من فرص النمو المحتملة مع تجنب الشركات التي تتسم بممارسات حوكمة ضعيفة، سواء كانت إدارية أو مالية، لما تحمله من مخاطر أكبر.
وبالنظر إلى الممارسات العالمية، يتضح أن العديد من الدول الناشئة لم تفتح أسواقها المالية دفعة واحدة، بل كانت عملية تدريجية عبر مراحل زمنية، مصحوبة بضوابط حوكمة في كل مرحلة كان الهدف من هذا التدرج هو تفادي التغييرات المفاجئة، نظراً لحساسية بيئة الأسواق المالية تجاه ردود الفعل، ولضمان تعزيز بناء ثقة المستثمرين بشكل تدريجي، وتطوير المنظومة الرقابية، وتحسين جودة الإفصاحات للشركات المدرجة، وتعزيز استدامة التدفقات الأجنبية. ومن الدروس المستفادة من التجارب العالمية أن القيود العامة أقل كفاءة من القيود القطاعية (أي قيود ذكية وليست عامة) وارتفاع التدفقات للأموال الأجنبية، كما يجب الإفصاح عن التاريخ المستهدف للتغيير بوقت كافٍ ومراحل مبكرة، وتفعيل أدوات المخاطر الاستباقية، وعدم النظر إلى رفع القيود كغاية مالية سريعة بل كجزء من إصلاح هيكلي طويل المدى.
أما من حيث السوق المالية في المملكة العربية السعودية، فقد خطت خطوات متأنية في عملية التدرج وتهيئة البنية التحتية والتنظيمية لضمان الحد من تأثير أي مخاطر عالية على بيئة السوق حيث تضمنت قيود الملكية للمستثمر الأجنبي حد أقصى لتملك الفرد نسبة لا تزيد عن 10% مع حد أقصى لإجمالي المستثمرين الأجانب يبلغ 49% من أسهم الشركة باستثناء المستثمر الاستراتيجي الأجنبي وبالنظر إلي أعلى نسبة لملكية المستثمرين الأجانب دون المستثمر الاستراتيجي للشركات المدرجة في السوق نجدها تصل إلي 33% ومع المستثمر الاستراتيجي تصل إلي 59% وفق البيانات المنشورة حتى مطلع هذا العام.
وأخيراً، سيظل التساؤل في ظل الممارسات العالمية ما بين دول تُمكِّن فتح أسواقها دون قيود على حدود الملكية للمستثمر الأجنبي وما بين دول تدرجت في فتح أسواقها في مراحل لاحقة وصولاً إلي حدود قصوى، ولما تلعبه أسواق رأس المال من دورًا محوريًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لذا تلعب الأنظمة والقوانين دورًا حاسمًا في التمكّين والتفعيل، وسعياً إلي تحقيق هدف تحويل السوق إلى سوق مالية عالمية سيتطلب الأمر مزيدا من التمكّين في حدود الملكية ومدى قابليتها للتكيف مع المتغيرات والظروف الاقتصادية، والنظر في تلك التجارب والاستفادة منها والعمل على حوكمة الإجراءات التنظيمية ودرجة الموائمة ما بين الجهات الإشرافية بهدف تكامل أدوار هذه الجهات لضمان الاستقرار المالي.
خاص_الفابيتا


