من حافة الفشل إلى الريادة (5)

17/08/2026 1
راضي الحداد

النقد هو الأكسجين.. عندما يصبح النمو عبئًا

دروس من Dell وStarbucks

قال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع): (القناعة مال لا ينفد)

في عالم الأعمال، كثيرًا ما يُنظر إلى النمو باعتباره علامة النجاح الأولى. ارتفاع الإيرادات، افتتاح فروع جديدة، زيادة عدد الموظفين، التوسع في المدن والدول، والاستثمار في مشاريع جديدة؛ كلها مؤشرات تبدو إيجابية.

لكن هناك سؤالًا آخر لا يقل أهمية:  كم من هذا النمو يتحول إلى نقد؟

فقد تنمو الشركة بسرعة، وتحقق أرباحًا محاسبية، ثم تجد نفسها في حاجة مستمرة إلى التمويل لتمويل المخزون، أو الذمم المدينة، أو التوسع الرأسمالي. وهنا تظهر حقيقة بسيطة يغفل عنها كثير من المديرين: "ليس كل نمو جيدًا، وليس كل ربح نقدًا". 

وهذا ما نتعلمه من تجربتين مختلفتين تمامًا: Dell في إدارة رأس المال العامل، وStarbucks في إعادة النظر في النمو عندما أصبح التوسع نفسه يهدد جوهر الشركة.

Dell عندما يصبح رأس المال العامل ميزة تنافسية:

في نهاية التسعينيات، كانت صناعة الحاسب الشخصي تعتمد بصورة كبيرة على نموذج تقليدي: الشركة تصنع المنتجات، وتخزنها، ثم توزعها عبر شبكة من الموزعين والمتاجر. لكن Michael Dell اختار نموذج أعمال  مختلفًا. اعتمدت Dell على نموذج البيع المباشر والتصنيع حسب الطلب (Build-to-Order)، أي أن العميل يطلب الجهاز أولًا، ثم تقوم الشركة بتجهيزه وفق المواصفات المطلوبة.

لم يكن هذا مجرد نموذج مبيعات، بل كان نموذجًا ماليًا أيضًا؛ إذ قللت الشركة من الحاجة إلى الاحتفاظ بمخزون كبير من المنتجات الجاهزة، وخفضت مخاطر تقادم المكونات في صناعة تتغير تقنياتها بسرعة.

وفي تقريرها السنوي لعام 2000، أوضحت Dell أن نموذجها المباشر والتصنيع حسب الطلب مكّناها من تحقيق دوران أسرع للمخزون ومستويات أقل منه. وفي السنة نفسها بلغت إيراداتها 25.3 مليار دولار، وبلغ التدفق النقدي نحو الأنشطة التشغيلية نحو 3.9 مليار دولار. لكن الرقم الأكثر إثارة للاهتمام ليس الإيرادات. إنه دورة تحويل النقد.

في عام 2000، كانت دورة تحويل النقد لدى Dell سالبة 18 يومًا، مقارنةً بسالب 12 يومًا في العام السابق. وكانت أيام المخزون ستة أيام فقط، مقابل نحو 58 يومًا للموردين. بمعنى آخر، استطاعت الشركة الحصول على النقد من دورة أعمالها قبل أن تضطر إلى دفع جزء كبير من تكاليفها للموردين.

وهنا تحولت إدارة رأس المال العامل من مجرد وظيفة مالية إلى ميزة تنافسية.

ماذا نتعلم من Dell؟

هناك فرق كبير بين شركتين تحققان الإيرادات نفسها والأرباح نفسها. الأولى تحتاج إلى تمويل مستمر لأنها تحتفظ بمخزون كبير وتنتظر طويلًا لتحصيل مستحقاتها. والثانية تستطيع تحويل مبيعاتها إلى نقد بسرعة. الأولى تنمو وتستهلك النقد. والثانية تنمو وتولد النقد.

ولهذا فإن مجلس الإدارة لا ينبغي أن يكتفي بالسؤال: كم بلغت الإيرادات؟ بل يجب أن يسأل أيضا:

كم بلغ التدفق النقدي التشغيلي؟ كم يوما نحتاج لتحصيل مستحقاتنا؟ كم يوم يبقى المخزون لدينا؟ كم يوم نستفيد من تمويل الموردين؟ وماهي دورة تحويل النقد؟ وكم ريالا من رأس المال نحتاج لتمويل كل ريال من النمو؟

Starbucks عندما يصبح النمو نفسه مشكلة:

تقدم Starbucks قصة مختلفة. فالشركة لم تكن تعاني من ضعف العلامة التجارية، ولا من نقص العملاء. على العكس، كانت واحدة من أكثر العلامات التجارية نجاحًا في العالم. لكن النمو السريع بدأ يخلق مشكلة.

في رسالة داخلية كتبها Howard Schultz عند عودته إلى منصب الرئيس التنفيذي في يناير 2008، أشار إلى أن Starbucks استثمرت في البنية التحتية قبل منحنى النمو، وأن ذلك أدى إلى زيادة البيروقراطية، وأن الشركة بحاجة إلى إعادة التركيز على العميل وربط تكاليفها الخلفية بنموذج أعمالها. وهذه نقطة مهمة.

فالنمو ليس مجرد فتح فروع جديدة. كل فرع جديد يعني استثمارًا رأسماليًا، وإيجارًا، وموظفين، ومخزونًا، وإدارة، وأنظمة، وسلسلة إمداد، ومصاريف تشغيلية مستمرة. إذا لم يكن الفرع قادرًا على تحقيق اقتصاديات جيدة، فإن الشركة لا تضيف إيرادات فقط؛ بل تضيف التزامات وتكاليف.

القرار الصعب: التراجع خطوة إلى الأمام

عندما عاد Schultz، لم يقل: نحتاج إلى فتح المزيد من المتاجر. بل فعل العكس.

أعلنت Starbucks خطة لإغلاق نحو 600 متجر ضعيف الأداء في الولايات المتحدة، كما خفضت وتيرة افتتاح المتاجر الجديدة. وفي السنة المالية 2008 انخفضت مبيعات المتاجر المماثلة في الولايات المتحدة بنسبة 5%، وانخفض هامش التشغيل إلى 4.9% مقارنة بـ 11.2% في العام السابق.

كان القرار مؤلمًا. إغلاق مئات المتاجر يعني الاعتراف بأن بعض قرارات التوسع السابقة لم تكن تحقق العائد المطلوب. لكن الإدارة اختارت حماية جودة النمو بدلًا من مطاردة كمية النمو. وفي الوقت نفسه، عادت Starbucks إلى جوهر نموذجها: القهوة، تجربة العميل، تدريب الموظفين، وكفاءة المتاجر. بل أغلقت الشركة في فبراير 2008 جميع متاجرها التي تديرها في الولايات المتحدة تقريبًا لعدة ساعات من أجل تدريب العاملين على إعداد الإسبريسو، في خطوة رمزية وعملية لإعادة التركيز على جودة المنتج وتجربة العميل. والنتيجة بدأت تظهر.

في عام 2010 ارتفع الدخل التشغيلي لـ Starbucks إلى نحو 1.4 مليار دولار مقارنة بـ 562 مليون دولار في 2009، وارتفع هامش التشغيل إلى 13.3% مقابل 5.7% في العام السابق، مع نمو مبيعات المتاجر المماثلة بنسبة 7%.

النمو ليس هدفًا في حد ذاته

Dell وStarbucks شركتان مختلفتان تمامًا. Dell كانت تبيع أجهزة الكمبيوتر. Starbucks تبيع القهوة وتجربة العميل.

لكن الدرس المالي بينهما واحد: "النمو يجب أن يخدم خلق القيمة، وليس أن يصبح غاية بحد ذاته".

قد ترتفع الإيرادات بنسبة 20%، لكن إذا احتاجت الشركة إلى استثمار ضخم في المخزون والمصانع والفروع والذمم المدينة لتمويل هذا النمو، فقد تكون قيمة الشركة قد ارتفعت بأقل مما نتوقع.

فالربح وحده لا يكفي، والنمو وحده لا يكفي؛ ما يهم هو العائد الذي نحصل عليه مقابل رأس المال الذي نضخه في الشركة، من واقع التجربة خلال عملي في تقديم الاستشارات المالية والإدارية، لاحظت أن كثيرًا من الشركات تركز بصورة كبيرة على قائمة الدخل.

الاجتماعات تبدأ عادة بالسؤال: كم بلغت المبيعات؟ ثم: كم بلغ صافي الربح؟

لكنني أرى أن هناك سؤالًا ثالثًا يجب أن يكون حاضرًا دائمًا: أين النقد؟

فقد تكون الشركة رابحة، لكنها تعاني من ضائقة نقدية، وقد تحقق الشركة نموًا ممتازًا في الإيرادات، لكن هذا النمو يستهلك رأس المال بسبب ارتفاع الذمم المدينة والمخزون.

وفي بعض الحالات، يكون السبب أن الشركة لا تصنف تكاليفها ورأس مالها العامل بصورة تساعد الإدارة على معرفة أين تذهب الموارد. وهنا تصبح الأرقام الكثيرة غير مفيدة إذا لم تساعدنا على اتخاذ القرار. النمو الذي لا تستطيع تمويله قد يتحول إلى خطر.

من خلال تجاربي مع الشركات، أصبحت أرى أن أي خطة نمو يجب أن تجيب عن أربعة أسئلة قبل اعتمادها:

أولًا: كم سيضيف هذا المشروع إلى الإيرادات؟

 ثانيًا: كم سيضيف إلى الربح؟

 ثالثًا: كم يحتاج من رأس المال؟

رابعًا: متى يتحول هذا الاستثمار إلى نقد؟

فإذا كانت الإجابة عن السؤالين الأول والثاني ممتازة، لكن الإجابة عن الثالث والرابع غير واضحة، فإننا أمام نمو يحتاج إلى تمويل، وليس بالضرورة أمام خلق قيمة. وهنا تظهر أهمية دور مجلس الإدارة. فمجلس الإدارة لا ينبغي أن يوافق على خطة توسع لمجرد أن الإيرادات المتوقعة كبيرة.

بل يجب أن يسأل:

(كم ريالًا سنستثمر حتى نحصل على ريال إضافي من الإيرادات؟ وكم سيولد هذا الريال من نقد؟) 

ماذا نتعلم كشركات عائلية؟

الشركات العائلية غالبًا ما تكون لديها شهية عالية للنمو. وهذا أمر إيجابي، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التوسع هدفًا بحد ذاته. فتح فرع جديد، شراء شركة، الدخول في مدينة جديدة، أو إطلاق منتج جديد قد يبدو قرارًا استراتيجيًا ممتازًا، لكن القرار الصحيح يجب أن يمر عبر ثلاثة اختبارات:

هل يخدم الاستراتيجية؟

هل يحقق عائدًا مناسبًا على رأس المال؟

وهل تستطيع الشركة تمويله دون أن تضغط على سيولتها؟

إذا لم تكن الإجابة واضحة، فإن التوسع قد يكون أسرع طريق إلى الضغط المالي.

النقد هو الأكسجين

في الشركات، يمكن تأجيل بعض المصروفات، ويمكن إعادة جدولة بعض الاستثمارات، ويمكن حتى تأجيل التوسع. لكن لا يمكن تأجيل دفع الرواتب والموردين والالتزامات الأساسية إلى ما لا نهاية. ولهذا فإن النقد يشبه الأكسجين. قد لا نشعر بأهميته عندما يكون متوفرًا، لكن غيابه يهدد استمرار الشركة مهما كانت أرباحها على الورق. من هنا فإن أحد أهم مؤشرات صحة الشركة ليس فقط صافي الربح، وإنما قدرتها على تحويل هذا الربح إلى تدفق نقدي حر ومستدام.

قاعدة شركة راضي للاستشارات

(ليس الهدف أن تنمو الشركة بأسرع ما يمكن، بل أن تنمو بأعلى قيمة ممكنة. النمو الجيد هو الذي يزيد الإيرادات والأرباح، ويحافظ في الوقت نفسه على السيولة ويحقق عائدًا مناسبًا على رأس المال.)

الخلاصة

تعلمنا من Dell أن إدارة رأس المال العامل يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة تنافسية.

وتعلمنا من Starbucks أن الشجاعة الإدارية لا تعني دائمًا التوسع، بل قد تعني أحيانًا إغلاق ما لا يخلق قيمة، وإعادة توجيه الموارد إلى ما تجيده الشركة.

وفي الحالتين، يظهر المبدأ نفسه: (لا تقيس نجاح الشركة بحجمها فقط، بل بقدرتها على تحويل النمو إلى نقد وقيمة.)

فالشركة التي تنمو دون سيطرة على رأس المال قد تكبر في الحجم، لكنها تضعف ماليًا.

أما الشركة التي تعرف أين تستثمر، ومتى تتوسع، ومتى تتوقف، وكيف تحول أرباحها إلى نقد، فهي التي تستطيع أن تنمو لعقود.

وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه كل رئيس تنفيذي ومجلس إدارة ليس:

"كم سننمو العام القادم؟" بل: (كم قيمة سنخلق من كل ريال نستثمره؟)

 

خاص_الفابيتا