تكشف نتائج الشركات السعودية للربع الثاني من عام 2026 عن تحسن واضح في الأرباح المجمعة، لكنها في الوقت نفسه تقدم صورة أكثر تعقيدًا عند تفكيك الأرقام قطاعيًا. فبحسب تجميع نتائج القطاعات الواردة، ارتفع صافي الأرباح من نحو 124.5 مليار ريال في الربع الثاني 2025 إلى قرابة 170.2 مليار ريال في الربع الثاني 2026، أي بنمو يقارب 37%. للوهلة الأولى تبدو النتيجة شديدة الإيجابية، لكن السؤال الأهم ليس: كم ارتفعت الأرباح؟ بل: من أين جاء هذا الارتفاع؟
الإجابة تكشف أن النمو كان شديد التركّز؛ فقطاع الطاقة وحده حقق أرباحًا تقارب 127 مليار ريال مقابل 84.8 مليار ريال في الربع المماثل، بزيادة تتجاوز 42 مليار ريال. وهذا يعني أن نحو 92% من الزيادة الإجمالية في أرباح السوق جاءت من قطاع الطاقة وحده. ولو استبعدنا الطاقة، فإن أرباح بقية القطاعات ارتفعت من نحو 39.7 مليار ريال إلى 43.2 مليار ريال، أي بنحو 9% فقط. وهنا تظهر الصورة الحقيقية للربع الثاني: نتائج قوية إجمالًا، لكن الزخم التشغيلي خارج الطاقة كان أكثر اعتدالًا وتفاوتًا.
التحول الأكبر جاء بطبيعة الحال من أرامكو السعودية، التي ارتفعت أرباحها من 85.6 مليار ريال إلى 121.5 مليار ريال، بنمو 42%. وبذلك أصبحت الشركة وحدها تمثل أكثر من 70% من إجمالي أرباح القطاعات التي شملتها البيانات. لكن الطاقة لم تكن أرامكو فقط. البحري حققت قفزة استثنائية من 407 ملايين ريال إلى 2.75 مليار ريال، بينما تحولت بترو رابغ من خسائر بنحو 1.37 مليار ريال إلى أرباح بلغت 2.66 مليار ريال. وهذه الحالات تؤكد أهمية عدم الاكتفاء بنسبة التغير المئوية؛ فالانتقال من خسارة إلى ربح لا يمثل نموًا تقليديًا بقدر ما يمثل تحولًا جذريًا في مسار الربحية. وفي المقابل تراجعت أرباح أديس 32%، وتحولت الحفر العربية من ربح بسيط إلى خسارة، ما يؤكد أن قوة القطاع لا تعني بالضرورة قوة جميع شركاته.
البنوك.. النمو الأكثر اتزانًا
بعد الطاقة، يأتي القطاع البنكي باعتباره أهم مصدر مستقر للأرباح في السوق. ارتفعت أرباح البنوك مجتمعة من 22.99 مليار ريال إلى 24.87 مليار ريال، بنمو يقارب 8%. واللافت أن النمو كان شبه جماعي. الراجحي ارتفع 14% إلى 7.01 مليارات ريال، والأهلي 8% إلى 6.61 مليارات ريال، والأول 10% إلى 2.33 مليار ريال، والجزيرة 16% إلى 443 مليون ريال. بينما كان النمو أكثر هدوءًا لدى الإنماء والرياض والبلاد. هذه الأرقام تعطي القطاع البنكي أهمية مختلفة عن الطاقة؛ فبينما رفعت أرامكو أرباح السوق بقوة، يقدم القطاع البنكي قاعدة ربحية واسعة وأكثر توزيعًا بين الشركات، وهو أمر مهم عند تقييم جودة نمو السوق واستدامته. وبجمع الطاقة والبنوك، نجد أنهما يمثلان نحو 89% من إجمالي أرباح القطاعات خلال الربع، وهي نسبة تكشف بوضوح حجم تركّز الأرباح في السوق.
المواد الأساسية.. تحسن في الرقم لا في جميع الشركات
من أبرز التحولات انتقال قطاع المواد الأساسية من خسائر بنحو 669 مليون ريال إلى أرباحا تقارب 1.67 مليار ريال. لكن قراءة التفاصيل تظهر تفاوتًا حادًا. معادن واصلت النمو وحققت 2.18 مليار ريال بارتفاع 13%، ولوبريف قفزت أرباحها 199% إلى 734 مليون ريال، كما تحسنت ينساب بصورة كبيرة وارتفعت أرباحها إلى 259 مليون ريال. في المقابل، ما زالت شركات بتروكيماوية كبرى تعاني. سابك خفضت خسائرها من 4.07 مليارات إلى 833 مليون ريال، وهو تحسن كبير لكنه لا يزال خسارة. وارتفعت خسائر كيان إلى 673 مليون ريال، وسبكيم إلى 592 مليون ريال، بينما تحولت المتقدمة من الربحية إلى خسارة قدرها 98 مليون ريال. كما تراجعت أرباح سابك للمغذيات الزراعية 64%. لذلك لا يمكن اعتبار تحسن القطاع إعلانًا عن انتهاء دورة الضغوط على البتروكيماويات؛ بل هو نتيجة مزيج من تحسن شركات معينة واستمرار الضغوط على شركات أخرى.
المستهلك يرسل إشارات متباينة
نتائج القطاعات المرتبطة بالمستهلك ربما تكون من أهم المؤشرات التي تستحق المتابعة. قطاع الخدمات الاستهلاكية ارتفع 31% إلى 641 مليون ريال، بدعم من شركات مثل أمريكانا والمسار الشامل وتحسن سيرا، بينما سجلت بعض الشركات خسائر مثل جاهز وريدان. لكن الصورة تختلف في تجارة وتوزيع السلع الاستهلاكية، حيث هبطت الأرباح 38% إلى 276 مليون ريال. أسواق عبدالله العثيم انتقلت من ربح 41 مليون ريال إلى خسارة 107 ملايين ريال، وتراجعت أرباح الدواء 65%، والنهدي 10%. وفي المقابل ارتفعت أرباح المنجم بقوة إلى 85 مليون ريال. أما قطاع إنتاج الأغذية فتراجعت أرباحه بشكل طفيف بنحو 2% إلى 1.14 مليار ريال، مع انخفاض المراعي إلى 636 مليون ريال وتراجع سدافكو ونادك، رغم تحسن عدد من شركات المطاحن. وهذه الأرقام تستحق الانتباه، لأنها توضح أن نمو أرباح السوق الإجمالية لا يعني بالضرورة أن الطلب الاستهلاكي يتحرك بالقوة نفسها.
التأمين والأدوية بين أبرز القطاعات نموًا
قطاع التأمين سجل أداءً جيدًا بارتفاع الأرباح 25% إلى 924 مليون ريال. لكن حتى هنا كان التباين كبيرًا. بوبا العربية ارتفعت أرباحها 7%، والإعادة السعودية 118%، ورسَن 116%، بينما تراجعت التعاونية 31% إلى 322 مليون ريال، وسجل عدد من الشركات خسائر. قطاع الأدوية بدوره حقق نموًا جيدًا بلغ 24% لتصل الأرباح إلى 235 مليون ريال، بقيادة الدوائية التي ارتفعت أرباحها 110%، إلى جانب نمو جمجوم فارما وأفالون. وهو قطاع يقدم واحدة من أكثر صور النمو وضوحًا خارج الطاقة والبنوك.
قطاعات فقدت الزخم
في الجهة الأخرى، هناك مجموعة من القطاعات سجلت تراجعًا في الأرباح. المرافق العامة انخفضت 20% إلى 3.02 مليارات ريال، متأثرة بتراجع السعودية للطاقة وأكوا وتحول مرافق إلى الخسارة.الاتصالات تراجعت بصورة محدودة بنحو 1% إلى 4.73 مليارات ريال؛ فتراجع أرباح STC بنسبة 5% قابله نمو موبايلي 9% وزين السعودية 60%.قطاع التطبيقات وخدمات التقنية تراجع 5% إلى 1.07 مليار ريال، مع انخفاض أرباح علم 13%، رغم نمو MIS وسلوشنز وعزم. أما الرعاية الصحية فتراجعت أرباحها 4% إلى 1.29 مليار ريال، رغم نمو الحبيب 12% والمواساة 13% والحمادي ورعاية، حيث ضغطت نتائج شركات أخرى على إجمالي القطاع. الأكثر حدة كان قطاع الإعلام والترفيه الذي انتقل من أرباح قدرها 108 ملايين ريال إلى خسائر 475 مليون ريال، متأثرًا بخسائر مجموعة MBCوالعربية.
العقار.. استقرار يخفي تغيرات كبيرة
قطاع إدارة وتطوير العقارات سجل أرباحًا تقارب 1.46 مليار ريال، دون تغير تقريبًا عن العام السابق.لكن ثبات الرقم الإجمالي يخفي تحركات مهمة داخله. جبل عمر تحول من خسارة 42 مليون ريال إلى ربح 158 مليون ريال، ومكة ارتفعت أرباحها 20%، بينما تراجعت سينومي سنترز 18%، وتحولت رتال إلى الخسارة، وانخفضت أرباح طيبة والماجدية ومسار وسمو. وهو مثال آخر يؤكد أن قراءة متوسط القطاع وحده قد تكون مضللة.
ماذا تقول نتائج الربع الثاني؟
الخلاصة أن الربع الثاني 2026 كان قويًا من حيث الرقم النهائي، لكنه ليس ربع نمو شامل لجميع القطاعات. الأرباح المجمعة ارتفعت نحو 37%، إلا أن الطاقة صنعت معظم هذه القفزة. ومن دون الطاقة يصبح النمو في حدود 9% تقريبًا، وهي نسبة جيدة لكنها أكثر واقعية في التعبير عن أداء بقية السوق.الأكثر إيجابية هو استمرار النمو في البنوك، وتحسن المواد الأساسية والنقل والتأمين والأدوية والخدمات الاستهلاكية. وفي المقابل، تظهر ضغوط واضحة في المرافق وتجارة السلع الاستهلاكية والتقنية والرعاية الصحية والإعلام، إضافة إلى استمرار معاناة أجزاء مهمة من قطاع البتروكيماويات. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم قراءة النصف الثاني من العام ليس فقط: هل ستستمر أرباح السوق في النمو؟ بل الأهم: هل سيتحول النمو من قصة تقودها الطاقة وعدد محدود من الشركات الكبرى إلى نمو أوسع تشارك فيه القطاعات المرتبطة بالصناعة والاستهلاك والخدمات؟
عندها فقط يمكن الحديث عن دورة أرباح واسعة للسوق، وليس مجرد ارتفاع كبير في الرقم الإجمالي.
نقلا عن الرياض


