لم يعد السؤال الأهم: هل ينمو القطاع الصحي الخاص؟ بل: هل ينمو وفق العوامل التي تقلّص فجوة العرض والطلب؟ هل ينمو في المكان الصحيح وباتجاه التخصص وضمن نطاق السعر وضمان الجودة التي تحقق توازن السوق؟ وللتوضيح فزيادة العرض قد ترفع حجم الخدمة من دون أن تحل مشكلة الوصول أو الكفاءة. لذلك يصبح تشخيص نوع الفجوة نقطة البداية: هل هي فجوة في السعة التشغيلية؟ أم فجوة توزيع مكاني؟ أم فجوة تخصصات دقيقة؟ أم فجوة قوى عاملة؟ أم فجوة سعر، وتغطية مالية تؤثّر في الاستفادة؟
من المعروف أن الطلب الصحي يتحرك عالمياً نحو الصعود بفعل التحوّلات الديموغرافية والوبائية. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الأمراض غير السارية مسؤولة عن قرابة 74% من الوفيات عالمياً، ما يعني عبئاً متزايدًا على مسارات الرعاية المزمنة، وإدارة المخاطر وإعادة التأهيل. وهنا يصبح نمو القطاع الخاص جزءاً من تصميم المنظومة لا مجرد توسع استثماري. وفي هذا المقال سأتناول سوق الخدمات الصحية من خلال تفاعلات الطلب والعرض، والعوامل الأساسية التي تؤثّر فيهما.
ما الذي يدفع الطلب على الخدمات الصحية؟
يتشكّل الطلب على الخدمات الصحية عبر تفاعل العوامل السكانية والاقتصادية والاجتماعية. فالنمو السكاني والتحضّر يرفعان الضغط على الخدمات الثانوية والتخصصية الدقيقة، بينما يؤدي ارتفاع متوسط العمر، وتزايد كبار السن إلى تغيير شكل الطلب نحو خدمات الرعاية الممتدة والمتعددة التخصصات. ومع ارتفاع الدخل وتوقعات الجودة، لا يرتفع الطلب على الخدمة فقط، بل يرتفع الطلب على زمن الوصول، ودقة التخصص، وتجربة المريض. كما أن توسع الوعي والوقاية والكشف المبكر يزيد الإقبال على خدمات التشخيص والاستشارة قبل أن يصل المريض إلى مراحل متقدمة.
وثمّة محرّك إضافي للطلب يتمثّل في نمو التأمين الصحي، وتوسع التغطية المالية؛ وهو ما يرفع الاستخدام، ويجعل الطلب المموّل قضية حوكمة أكثر من كونه قضية سوق. وتستهدف هذه الحوكمة ربط التمويل بالنتائج، وضبط المسارات السريرية، وتوجيه شراء الخدمة عبر قنوات الشراء الاستراتيجي وإدارة المنافع؛ بما يساعد على ترشيد الاستخدام، والحد من الطلب غير الضروري، من دون الإخلال بالوصول أو الجودة.
ما الذي يحدد العرض في القطاع الصحي الخاص؟
من الجانب الآخر، فالعرض الصحي لا يقوم على التمويل وحده، بل على منظومة تشغيلية كاملة. فعدد المنشآت مؤشّرٌ غير كافٍ إذا لم تُقاس السعة القابلة للتشغيل: والمتمثلة في عدد الأسرّة الفعلية، وغرف العمليات، وجاهزية الطوارئ، ومعدلات الإشغال. وقد يتقدم نمو الطلب على نمو السعة القابلة للتشغيل، ما يجعل قراءة اتجاهات السعة ضرورة استراتيجية لقياس ملاءمة العرض لحجم الطلب، وتوجيه الاستثمار نحو السوق الأمثل.
أما العنصر الثاني في محددات العرض فهو القوى العاملة المؤهلة، وهي القيد الأكثر صلابة، لأن إنتاج الكوادر يستغرق سنوات، كما أن توزيعها مكانياً وتخصصياً يحدد اتساع الفجوة، أو تقلصها. ويزداد هذا التحدي مع المنافسة العالمية على الكفاءات؛ إذ تُقدر منظمة الصحة العالمية عجز القوى العاملة الصحية عالمياً خلال هذا العقد بملايين العاملين، ما يجعل أي توسع غير مرتبط بسياسات توطين، واستبقاء وتوزيع معرضاً لتعميق الفجوات.
ولا يكتمل فهم العرض من دون الانتباه لتداخل التكنولوجيا والتنظيم والشراء العام. فالتكنولوجيا الطبية قد توسّع العرض عبر رفع دقة التشخيص، وتسريع العلاج، لكنها قد ترفع التكلفة إذا أُدخلت كقرار استثماري منفصل. لذلك ينبغي إدارتها كقرار شرائي/تنظيمي مرتبط بالنتائج: ما الذي ستضيفه فعلاً للمخرجات مقابل تكلفتها على المسار العلاجي. وفي المقابل، يصنع التنظيم الحكومي (منح التراخيص، الاعتمادات، سياسات التأمين والسداد، والتسعير) قواعد اللعبة التي تحدد اتجاه التوسع: نحو الاحتياج الأعلى أثراً أم الخدمات الأعلى ربحية. وحتى مع قطاع خاص نشط، يظل الإنفاق العام أداة توجيه قوية؛ إذ يمكن عبر التعاقد الحكومي القائم على النتائج تمويل خدمات محددة لسد فجوات (مكاناً أو تخصصاً)، وربط السداد بمؤشّرات جودة ومخرجات قابلة للقياس، لضمان أن التوسع يتجه للحاجة الأعلى أثراً لا للربحية فقط.
لماذا قد لا يتوازن سوق الصحة تلقائياً؟
سوق الصحة قد لا يتوازن تلقائياً لعلل هيكلية، أولها عدم تماثل المعلومات: فالمستفيد غالباً لا يمتلك نفس معرفة مقدم الخدمة بالحاجة الفعلية، وجودة الخيارات، ما يضعف قدرة الطلب على الاختيار الرشيد. وثانيها مشكلة الوكالة والحوافز: فمقدم الخدمة يملك تأثيراً كبيراً في تحديد كمية الخدمة المقدَّمة، ونماذج السداد التي تكافئ عدد الخدمات (الحجم) قد تدفع إلى توسيع العرض المُقدَّم (فحوصات/إجراءات/تنويم) بما يرفع التكلفة، من دون تحسنٍ موازٍ في المخرجات الصحية.
وثالثها أن العرض قد يولّد طلباً إضافياً؛ وهو ما يلخصه قانون رومر (Roemer’s Law) بعبارته الشهيرة: “A built bed is a filled bed” أي: "السرير الذي يُبنى… يُملأ"؛ بمعنى أن زيادة السعة قد تقود إلى زيادة معدلات الاستشفاء، والاستخدام حتى من دون زيادة مماثلة في الطلب الحقيقي على التنويم، ما يجعل ضبط السعة أداة لإدارة الاستخدام لا مجرد استجابة لارتفاع الطلب. ويضاف إلى ذلك أن عدم اليقين المهني وتباين الممارسات السريرية بين الأطباء قد ينتجان طلباً ملاحظاً مختلفاً حتى لمجتمعات متشابهة؛ ما يستدعي بروتوكولات ومسارات سريرية وقياساً للنتائج لضبط هذا التباين.
من تشخيص عام إلى فجوات قابلة للقياس
لكي يصبح التشخيص عملياً، يمكن تفكيك الفجوة إلى أنماط قابلة للقياس والمتابعة، ففجوة السعة تُرى في زمن الانتظار، ومعدلات الإشغال ومؤشّرات السعة للفرد. وفجوة التخصص تظهر في قوائم الانتظار للتخصصات عالية العبء وكثافة المتخصصين. أما فجوة المكان فتظهر في زمن الوصول، وتوزيع الأسرّة والكوادر بين المناطق نسبة لعدد السكان. وتظهر فجوة الجودة والكفاءة في مؤشّرات السلامة والمضاعفات والإعادة خلال 30 يوماً ورضا المستفيد. بينما تكشف فجوة السعر/التغطية نفسها في رفض المطالبات، ومدفوعات المريض المباشرة، وتكلفة المسار العلاجي مقارنة بما يحققه من نتائج صحية وتجربة للمستفيد.
المرونات.. متى تنفع المنافسة ومتى يلزم التنظيم؟
فهم المرونة يساعد على اختيار الأداة الصحيحة، ومعرفة متى تنفع المنافسة، ومتى يلزم التنظيم. ففي خدمات الطوارئ يكون الطلب أقل مرونة ويصنف على أنه طلب غير مرن، فتتقدم الأولوية لضمان الوصول والجودة، وتسعير عادل وتنظيم مسارات الإحالة. وفي الخدمات الاختيارية يكون الطلب أكثر مرونة، فتعمل المنافسة بشكل أفضل إذا توفرت معلومات قابلة للفهم حول الجودة والسعر. لكن مرونة العرض تبقى منخفضة بسبب قيد الكوادر؛ لذا لا يكفي ضخ الاستثمار من دون سياسات قوى عاملة، وتوزيع وحوافز توطين واستبقاء، وهنا يصبح التنظيم مكمّلاً للمنافسة لا نقيضاً لها.
الدفع والقياس كأداة تنظيم.. لتحقيق توازن العرض والطلب وإدارة المرونات
في أسواق الخدمات الصحية، يبرز سؤال كيف ندفع؟ وهذا أهم من كم ندفع؟ لأن طريقة السداد ليست محاسبة مالية فقط، بل أداة لتحقيق التوازن بين العرض والطلب عبر توجيه الحوافز. فالسداد مقابل كل خدمة قد يدفع إلى تضخم العرض المُقدَّم وزيادة الاستخدام، خصوصاً في الخدمات الأعلى مرونة، بينما تميل الحزم العلاجية (Bundled)، أو الدفع المقطوع (لكل مريض) (Capitation)، أو ربط جزء من السداد بالأداء والنتائج إلى رفع الكفاءة، وتقليل الهدر، لأنها تكافئ إدارة المسار العلاجي لا مجرد زيادة الإجراءات. ومن هنا يصبح تصميم السداد هو ذراع التنظيم الذي يوازن بين المرونات؛ حيث يحد من الإفراط في الخدمات المرنة، ويضمن استمرارية التمويل للخدمات الأقل مرونة التي ترتبط بالوصول والسلامة.
ولكيلا يبقى هذا التصميم نظرياً، يلزم ربطه بلوحة متابعة تنفيذية تقيس ما إذا الفجوة فعلاً تقلصت أم اتسعت. ويمكن أن تركّز هذه اللوحة على مؤشّرات مختصرة لكنها عالية الدلالة مثل: زمن الانتظار للتخصصات عالية العبء، معدلات الإحالة والتحويل بين المناطق ونسبة التحويل الاضطراري، كثافة القوى العاملة وتوزيعها حسب التخصص والمنطقة مع تتبع التوطين والاستبقاء، مؤشّرات الجودة والسلامة (مضاعفات/إعادة دخول/التزام المسارات)، وتكلفة المسار العلاجي للخدمات الأعلى عبئاً وربطها بالمخرجات. بهذه المقاربة يصبح الدفع والقياس معاً أداة واحدة: توجيه العرض حيث الحاجة، وضبط الطلب الممول حيث المرونة، وتحقيق توازن قابل للقياس لا توازن مُفترض.
الخاتمة والتوصيات
يبقى القطاع الصحي الخاص شريكًا رئيسيًا في توسيع الخدمات الصحية وتخفيف الضغط عن القطاع العام، لكنه لا يستطيع وحده ـ دون تنظيم وحوافز وتصميم سداد فعّال ـ أن يضمن توازن السوق الصحي. ففجوة العرض والطلب ليست مجرد فجوة حجم، بل هي انعكاس لتحديات تتعلق بالتوزيع والكفاءات والمرونات والحوافز وتدفق المعلومات. ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من التركيز على التوسع الكمي إلى إدارة السوق الصحي بمنهج يربط التمويل بالنتائج، ويقود الاستثمار نحو الاحتياج الأعلى أثرًا، ويكافئ القيمة الصحية المتحققة للمستفيد لا مجرد زيادة الأحجام أو عدد الخدمات المقدمة.
ولتحقيق توازناً أكثر استدامة بين العرض والطلب في القطاع الصحي، يمكن التركيز على عدد من الأولويات العملية، من أبرزها: تعزيز التخطيط القائم على البيانات لرصد فجوات السعة والتخصص والتوزيع الجغرافي بصورة دورية، وربط التوسع الاستثماري بمؤشرات الاحتياج الصحي الفعلية. كما تبرز أهمية الاستثمار في تنمية القوى العاملة الصحية واستبقائها وتوجيهها نحو المناطق والتخصصات الأعلى حاجة، باعتبارها القيد الأكثر تأثيرًا في مرونة العرض.
كذلك فإن تطوير نماذج السداد وربط جزء أكبر من التمويل بالجودة والنتائج الصحية يسهم في تحسين الكفاءة والحد من الهدر، مع تعزيز الشفافية في نشر مؤشرات الأداء والجودة والتكلفة بما يدعم المنافسة القائمة على القيمة. وأخيرًا، فإن بناء منظومة متابعة وقياس مستمرة يتيح لصانع القرار تقييم أثر السياسات والتدخلات بصورة مبكرة، وتصحيح المسار قبل اتساع الفجوات، بما يعزز مرونة النظام الصحي وقدرته على الاستجابة للمتغيرات المستقبلية.
المقالة منشورة في "نشرة الاقتصاد" الصادرة عن جمعية الاقتصاد السعودية، عدد يونيو 2026.


