في العديد من الدول الغربية، لعبت المسوح الطولية اللوحية (longitudinal panel surveys) دوراً محورياً في توليد البحوث الاقتصادية، ومن ثم في دعم عملية صنع القرار في مجالات مهمة كالتعليم وأسواق العمل والاستهلاك وغيرها. وفي حال إجراء بحوث مماثلة في الدول الخليجية، سيتحقق مردود فكري عالٍ، إلا أنه لا يمكن القيام بذلك بسبب غياب المسوح اللازمة. وبالتالي ينبغي على دول مجلس التعاون النظر في إنشاء مسوح طولية لوحية تغذي المجتمع البحثي وتثري رسم القرارات.
في عام 1979, أطلقت وزارة العمل الأمريكية المسح الوطني الطولي للشباب، الذي شارك فيه ما يقارب 13,000 شاب أمريكي بين 14-22 عاماً في السن. واستهدف المسح عددا من الأهداف من بينها دراسة كيف ينتقل الشباب الأمريكي من التعليم إلى سوق العمل، وتجميع بيانات تدعم عملية رسم سياسات التعليم ومكافحة اللامساواة، ومتابعة تكوين الأسر وقرارات الزواج والإنجاب، وغيرها من قضايا مهمة. ولأول 15 سنة، شاركت نفس العينة في المسح على أساس سنوي، ثم انتقل تردد المشاركة إلى مرة واحدة كل سنتين، كما تم ضم أبناء المشاركين إلى العينة انطلاقاً من عام 1986 لدراسة انتقال الثروات بين الأجيال. وفي عام 1997، اُطلق مسح جديد لدراسة نفس القضايا في عصر اقتصادي جديد مع نشأة الإنترنت وانتشار التكنولوجيات الحديثة في أسواق العمل.
وربما أهم ميزة لهذا النشاط الإحصائي هي توفير البيانات مجاناً للمجتمع البحثي بشرط قيام الباحث بتسجيل اهتمامه بشكل نظامي، وعدم مشاركة البيانات التي تفصح عن هوية المشاركين (العنوان، يوم الميلاد، إلخ.). ففي الثمانينات والتسعينات، كان الباحثون يستلمون البيانات بريدياً عبر أقراص مضغوطة أو من خلال زيارة مباني الوزارة، وبعد انتشار الإنترنت، تم توفير خدمة تحميل البيانات عبر الإنترنت.
وانطلقت سياسة المشاركة من واقعين. أولاً: من خلال تحليل البيانات، يمكن استخلاص عدد كبير من التوصيات المفيدة لعملية صنع القرار في مجالات كالتعليم وأسواق العمل. ثانياً: نظراً لحجم قاعدة البيانات، لا يمكن الاعتماد حصرياً على الباحثين العاملين في وزارة العمل لتحليل البيانات، لا سيما في ظل تطورات مهمة ومستمرة في علم الاقتصاد لم يتقنها إلا كبار العلماء العاملين في الجامعات المرموقة. كما وقعت هذه السياسة ضمن إطار مفهوم أنه ما تم تجميعه بالأموال العامة ينبغي توفيره للاستخدام العام، خصوصاً في مجال البحث العلمي الذي كانت تؤمن الحكومة بأهميته للتنمية الاقتصادية. وبالتالي كان قرار توفير البيانات للمجتمع البحثي قراراً استراتيجياً وليس مجرد إجراءً إداري.
وتجاوب الباحثون الأمريكيون مع هذه النظرة، إذ أسفر المسح – ولا يزال يسفر – عن عدد كبير من البحوث المهمة. فعلى سبيل المثال، مكّن المسح الاقتصاديين من التمييز بين دور القدرة العقلية والاستثمارات التعليمية في تحديد الأداء في سوق العمل، ما أوضح بشكل علمي أن ذوي القدرات المحدودة يحتاجون إلى مسار تعليمي خاص ربما لا يشمل الجامعة. كما أظهرت البيانات أهمية الاستثمار المبكر في التعليم قبل بلوغ الأطفال، حين تتسم قدراتهم بمستوى أعلى من المرونة والقابلية للتحسين. وكان للإحصائيات الجنائية في المسح دور مهم في إظهار أثر الجرائم على المسيرة الاقتصادية الاجتماعية لدى الأفراد. وتجدر الإشارة إلى أن المسح أسهم في تطوير نظريات خارقة حول كيفية تحليل المسوح الطولية اللوحية، ما أسفر عن فوز الباحثان جيمز هكمان ودانيل مكفادين بجائزة نوبل في الاقتصاد في عام 2000، ما يؤكد الأهمية البحثية التي اتسم بها المسح.
وتماشياً مع رؤية الحكومة الأمريكية، لم تمثل هذه البحوث مجرد مبادرات فكرية، فقد تمت الاستفادة منها في الميدان عند رسم السياسات. فعلى سبيل المثال، أصبح نظام التعليم الأمريكي يخصص نسبة أكبر من موارده للتعليم المبكر انطلاقاً مما توصل إليه الباحثون الاقتصاديون عبر المسح الوطني الطولي للشباب. كما تم تعديل استراتيجية التنمية البشرية من خلال الفصل بين السلكين الأكاديمي والمهني وتطوير آليات لدفع الشباب الأمريكيين نحو السلك الأنسب لهم بناءً على ما أوصت به البحوث التي حللت إحصائيات المسح الوطني. وفي مجال المساواة بين الجنسين، تم توظيف البحوث العلمية المستخدمة لبيانات المسح الوطني لتحديد دور إجازات الوضع في خفض أجور الإناث مقارنة بأجور الذكور، ومن ثم لتطوير إصلاحات تحد من ذلك الأثر السلبي.
وبنت الحكومة الأمريكية وغيرها على هذه النجاحات من خلال دعم مسوح وطنية أخرى، منها دراسة لوحة ديناميكيات الدخل في أمريكيا التي تركز على الاستهلاك واللامساواة، والدراسة الطولية للأسر في المملكة المتحدة، واللوحة الاجتماعية-الاقتصادية الألمانية، ودراسة ديناميكيات الأسرة والدخل والعمل في أستراليا. وفي كندا، تم إطلاق المسح الطولي للمهاجرين إلى كندا، وهو مسح مخصص لدراسة تداعيات الهجرة نظراً لأهمية هذه الظاهرة للاقتصاد والمجتمع الكندي.
وحتى الآن، لم تشارك الدول الخليجية في موجة انتشار المسوح الطولية اللوحية المفتوحة للمجتمع البحثي. فيتم إجراء مسوح مقطعية – عينة من الأسر في لحظة زمنية محددة – بانتظام في مجال الاستهلاك وأسواق العمل وغيرها، ولكنه لا تتم العودة لنفس الأسر تكراراً، وبالتالي لا تتكون ألواح طولية إحصائية قابلة للتحليل كما يحصل في الدول الغربية.
وعندما يخاطب باحث خليجي الجهة الحكومية المجمعة لتلك البيانات لأجل إجراء بحث قد يدعم صنع القرار، يتلقى عادة رفضاً، ينطلق من تساؤل تفصيلي حول غرض طلبه، وتخوّف مؤسسي من مشاركة البيانات مع أي شخص خارج المؤسسة لعل البيانات تُستخدم بشكل يضر مصالح المؤسسة. كما أن المؤسسات الحكومية الخليجية نادراً ما ترى أن باحثيها الداخليين قد تقل طاقتهم عن طاقة المجتمع البحثي الشامل للأساتذة الجامعيين، وبالتالي لا تتصور تلك المؤسسات أن الحد من مشاركة البيانات خارج المؤسسة قد يقلل من جودة التحليل العلمي الذي قد يدعم صنع القرار. فباختصار، الحكومات الخليجية لا ترى قيمة استراتيجية في توفير المسوح الطولية اللوحية للمجتمع البحثي، وتخشى من مخاطر أمنية قد يسببها عدم الحذر في تجميع ونشر البيانات.
وتنعكس هذه القرارات على طبيعة البحوث التي ينجزها العلماء العاملون في الدول الخليجية. فيوجد اعتماد كبير على بيانات أولية (primary data) متمثلة في استطلاعات رأي مقطعية ذات عينات متواضعة الحجم، ومقابلات شخصية خالية من البيانات الكمية، ومحدودية الدراسات القائمة على البيانات الثانوية التي توفرها الحكومة. ويحد ذلك من قدرة المجتمع البحثي على تحليل الظواهر الاقتصادية الاجتماعية بشكل رصين، ومن ثم على دعم صنع القرار عبر البحوث المميزة.
ويشكل ذلك أحد أهم أسباب الفجوة المزمنة بين الحكومات الخليجية ومجتمعاتها البحثية، حيث أنه يعبر الباحثون بانتظار أنهم يرغبون في تقديم المزيد من الدعم إلى صناع القرار ولكنهم لا يجدون الفرص الملائمة لذلك. كما يصعب على أولئك الباحثين إجراء البحوث المميزة التي تقنع المؤسسات الحكومية بقدرتهم على المساهمة بشكل بناء في عملية صنع القرار، وبالتالي قد تُغير نظرة المؤسسات الحكومية حول جدوى إجراء المسوح الطولية اللوحية ومشاركة البيانات مع المجتمع البحثي. فقد وقع الطرفان في مأزق "الدجاجة والبيضة".
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أفضلية إحصائية تتميز بها الدول الخليجية مقارنة بأمريكا وغيرها من الدول الغربية، وهو وجود سجلات معلوماتية مركزية. فعن طريق رقم الهوية الوطنية، يتم ربط نسبة شبه مطلقة من أنشطة المواطن الاقتصادية والاجتماعية، كالتحصيل الأكاديمي والشهادات الجامعية والوظائف والرواتب والزواج والإنجاب وغيرها، وذلك للمجتمع كلياً وليس لعينة محدودة كالمسح الوطني الطولي للشباب في أمريكا. وبالتالي في حال توفير مثل هذه البيانات للباحثين الخليجيين – بطريقة تراعي خصوصية المواطنين الخليجيين – سيمكن ذلك الباحثين من إجراء بحوث ذات جودة عالية تناظر وربما تتجاوز ما يقوم به نظراؤهم في الدول الغربية.
ليست مثل هذه البيانات بديلاً كاملاً للمسوحات الطولية اللوحية لأنها لا تجمع معلومات حول قضايا مثل مرئيات المواطنين حول شؤون اجتماعية واقتصادية، وتفاصيل غير رسمية كاستخدامهم لوقتهم وأهدافهم المهنية وطبيعة شبكاتهم الاجتماعية وغيرها. لذا ربما يُعد الطريق الأمثل هو إطلاق مسوح طولية لوحية خليجية وتعزيزها من خلال ربطها بقواعد البيانات الوطنية. ولكن في جميع الحالات، لأجل حصد العوائد الأكبر، ينبغي النظر في وضع آليات مرضية لجميع الأطراف لمشاركة البيانات مع المجتمع البحثي. كما ينبغي إنشاء منتديات تمكن الباحثين من مشاركة بحوثهم القائمة على تلك البيانات مع المؤسسات الحكومية التي قد تستفيد منها، وذلك تحت مظلة مشروع مطول يسعى لسد الفجوة المزمنة بين الطرفين.
فعلى المدى الطويل، سيكون أحد معايير النجاح هو حدوث تحول في طبيعة البحوث الخليجية المنشورة في الدوريات الدولية، من بحوث قائمة على استطلاعات رأي مصغرة ومقابلات شخصية ومجموعات تركيز، لى بحوث تلعب فيها المسوح الطولية اللوحية دوراً أكبر. إن إنشاء مسح طولي لوحي خليجي مفتوح للمجتمع البحثي ليس ترفاً أكاديمياً، بل خطوة عملية لتعزيز جودة القرار العام. فلا يمكن تحقيق هدف الانتقال إلى اقتصاد قائم على المعرفة إلا من خلال تطوير بنية تحتية إحصائية متقدمة.


