تتعرض المنطقة لتحديات جيوسياسية خطيرة، انعكست سلباً على اقتصادات دولها، والاقتصاد العالمي، وتسببت في عرقلة إمدادات النفط والغاز، بعد استهداف المنشآت النفطية والاقتصادية، وقطع خطوط الملاحة البحرية، وإغلاق مضيق هرمز، واستهداف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيقي هرمز وباب المندب.
منذ أن عرقلت إيران حركة ناقلات النفط، العابرة لمضيق هرمز، وباب المندب، واستهدفت بمسيراتها منشآت النفط والغاز في دول الخليج، والمنطقة تتعرض لمخاطر أمنية مرتفعة، تسببت بحدوث أزمة في إمدادات الطاقة، وارتفاع أسعار النفط والغاز، وأثرت سلباً على اقتصادات دول المنطقة، وبرامجها التنموية، والاقتصاد العالمي. تحديات المنطقة الجيوسياسية، وسلوك إيران العدائي، وعدم التزامها بالقوانين الدولية، وإصرارها على تفجير المنطقة بمواجهات عسكرية متتالية، استدعى وجود جبهة ردع للحد من التصعيد العسكري، وتعزيز الأمن والاستقرار.
لا تقتصر تحديات المنطقة الجيوسياسية على المخاطر الإيرانية، فهناك تحديات أخرى لا يمكن إغفالها، تستدعي وجود حلف قادر على تحقيق متطلبات الردع، ومواجهة الأزمات، وبما يضمن وقف الحروب، وتحقيق أمن المنطقة وازدهارها. الاعتماد على قوة الردع الأميركية مغامرة غير محسوبة العواقب. فانسحاب الأميركيين، أو تغيير إستراتيجيتهم، سيترك فراغاً كبيراً يتطلب ملئه بقوة أخرى، وأحسب أن الحلف الثلاثي المكون من السعودية، باكستان، وتركيا، يسعى لتحقيق ذلك الهدف، خاصة أنه تشكل من أكبر الدول الإقليمية، ذات القدرات الدفاعية والاقتصادية المؤثرة. كما أن المصالح الأميركية، قد تتعارض مع استقرار المنطقة، وهو أمر يحتاج لمعالجة، وخلق قوة رادعة موازية للقوات الأميركية.
لدول المنطقة مصالحها الإستراتيجية، ومخاوفها، وتحدياتها التي تتطلب المعالجة الجذرية، ومن المهم خلق تحالف قوي، تشارك فيه دول المنطقة الكبرى، لحماية مصالحها، وتعزيز أمنها واستقرارها، وتشكيل قوة ردع، لمواجهة التحديات الجيوسياسية المختلفة، وإنذار كل من تسول له نفسه بأن الرد على أي هجوم تتعرض له أي من الدول الموقعة على اتفاقية مكة للدفاع المشترك، سيكون مكلفاً ومدمراً.
حظي الحلف الثلاثي بتأييد دولي، أكد أهميته، وسنده القانوني، ومرجعيته الدولية، ومن المتوقع أن تنضم له دول أخرى، بعد أن أُعلِن بأن باب الحلف مفتوحاً للدول الراغبة في الانضمام له، وفق الشروط المحددة، والالتزامات المترتبة على العضوية.
كما واجه التحالف تشكيكاً، مباشراً من إيران، ومنظومتها الدعائية، وهو أمر متوقع، وتشكيك غير مباشر، وغير متوقع، تبنته بعض الشخصيات الخليجية، وأذرع إعلامية موجهه محسوبة على دول الخليج.
أصوات محدودة، تحدثت عن (موت) مجلس التعاون الخليجي، وهو أمر غريب، لأن اتفاقية مكة تزيد من قوة مجلس التعاون، وتجعله أكثر المستفيدين منه، لوجود المملكة، أكبر الدول الأعضاء في المجلس، إضافة إلى أن باب الحلف المفتوح يسمح بانضمام الدول الخليجية، متى رغبت والتزمت بشروطه، كما أن غالبية دول المجلس لديها اتفاقيات دفاع مشتركة مع دول أخرى، ولم يتسبب ذلك في موت مجلس التعاون. التزامات دول المجلس وفق رؤية القيادة السعودية، تتجاوز المنظومة الرسمية، إلى الشراكة الوجودية ووحدة المصير، والشواهد كثيرة.
لا تحتاج المملكة لتأكيد مواقفها السابقة، ومبادراتها لتحقيق أمن واستقرار وازدهار دول مجلس التعاون الخليجي، على الرغم من شراكاتها الدفاعية الأخرى، كما أنها لا تحتاج إلى التأكيد على أن مبادراتها، وتحركاتها، لتحقيق أمن واستقرار المملكة، مرتبط أيضاً بتحقيق أمن واستقرار دول الخليج. تعتمد المملكة النهج الشمولي في مباحثاتها واتفاقياتها الدولية، وتسعى دائماً لدعم كل ما من شأنه تحقيق أمن وازدهار دول الخليج والمنطقة عموماً.
أحسب أن جميع الترتيبات والاتفاقيات الأمنية، والمباحثات الدولية التي تُقدم عليها المملكة، لا تخلو من البعد الأمني الخليجي، أو ما يمكن أن نطلق عليه الأمن الشامل لدول مجلس التعاون الخليجي، وهذه حقيقة ثابتة يعكسها الواقع المعاش. قد تختلف وجهات النظر، غير أن سياسة التكامل الأمني لا يمكن الحياد عنها، أو تجاهلها في أهم الاتفاقيات الدولية، ومن المعيب تبني بعض الجهات الخليجية وجهة النظر الإيرانية تجاه الحلف الثلاثي الذي يفترض أن يكون قاعدة الردع المحققة لأمن واستقرار المنطقة وازدهار دولها.
الاعتقاد بأن الحلف الثلاثي معني بالعمليات الهجومية المباشرة، اعتقاد قاصر، فاتفاق مكة يستهدف منع إشعال الحروب، وتحقيق الأمن والسلام، من خلال بناء قوة ردع دفاعية، تحد من محاولة أي دولة مهاجمة إحدى دول الحلف، لأن ذلك يعني اعتداء على الدول الأخرى. كما أن الحلف الثلاثي معني أيضاً بتوفير المعلومات والدعم الاستخباري، وهو من أهم أدوات المواجهة والردع، إضافة إلى تدريب الجيوش، ونقل التكنلوجيا العسكرية، وتوطين الصناعات الدفاعية، وتوفير الدعم اللوجستي، والعتاد العسكري، وغيرها من الركائز المهمة التي بُنيت عليها الاتفاقية.
الهدف الرئيس لاتفاقية مكة للدفاع المشترك، هو تعزيز التعاون والتكامل الدفاعي، وبناء قوة ردع تحد من قرارات إشعال الحروب ضد المملكة، باكستان، وتركيا، وجعلها أكثر تكلفة ودماراً، وخلق بيئة أكثر أمنًا واستقرارًا، تعيش فيها شعوب المنطقة بأمن وسلام، وتزدهر اقتصادات دولها، وتنشغل حكوماتها في التنمية، وبناء الإنسان والمكان، بدلاً من الحروب التي أرهقت الدول وشعوب المنطقة.
نقلا عن الجزيرة


