أنفقت شركات التقنية الأميركية الخمس الكبرى ثلاثمائة وثمانين مليار دولار في عام 2025 على مراكز البيانات التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي، وتشير تقديرات هذا العام إلى رقم يقترب من ضعف ذلك، غير أن الرقم الجدير بالتوقف عنده هو رقم صغير قد يمر دون انتباه، وهو حصة الاقتراض في تمويل هذا الإنفاق التي ارتفعت من 9 في المائة قبل عامين إلى 32 في المائة اليوم؛ أي إن أغنى شركات العالم، التي طالما تباهت بأنها لا تحتاج أحداً، أصبحت في حاجة إلى المُقرض، ويقود ذلك إلى سؤالين: لماذا تحوّلت الشركات التقنية إلى الاقتراض الذي يعد أمراً جديداً عليها؟ وما هي تداعيات هذا التحول؟
وقد أجرى المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية - منظمة أميركية خاصة غير ربحية - دراسة تناولت جانب عقلانية هذا الإنفاق، وخلصت إلى أن هذا الإنفاق لا يستقيم إلا إذا ضاعف الذكاء الاصطناعي إنتاجية قطاعه ثلاث مرات، وأن النتيجة تتراوح بين أن يضيف إلى الاقتصاد الأميركي نصف حجمه تقريباً وبين ألا يضيف شيئاً يُذكر، واستنتجت الدراسة كذلك أن المستثمرين صاروا يطلبون عائداً أعلى من المعتاد قبل ضخ أموالهم، وهذا في لغة الأسواق اعتراف صريح بأن الرهان على الذكاء الاصطناعي قد يخيب.
أما عن أسلوب التمويل، فالبنوك قد تُقرض بسهولة لشراء دكّان، ولكنها لا تقرض لتمويل فكرة؛ لأن الدكان يمكن الحجز عليه وبيعه عند تعثر السداد، وهو ما لا يمكن فعله مع الفكرة، ولهذا استقرت في أدبيات التمويل قاعدة مهمة، وهي أن الشركات لا تستدين لتمويل أبحاثها، وإنما تنفق عليها من أرباحها أو من أموال شركائها المساهمين، يضاف إلى ذلك أن الشركة لا تقنع المقرض بجدوى بحثها إلا إذا كشفت تفاصيله، وهي عادة لا تفعل خشية تسرب الفكرة إلى منافسيها، فالكتمان هنا سبب من أسباب امتناع الاقتراض لا عادة إدارية.
فإما أن القاعدة سقطت فجأة، وإما أن ما يجري اليوم ليس بحثاً وتطويراً في حقيقته، والأرجح هو الثاني؛ فالبنك لا يقرض فكرة، وإنما يقرض مقابل أرض ومبنى ومحطة كهرباء وأجهزة؛ أي مقابل أصول ملموسة يمكن الحجز عليها، وبهذا انتقل الرهان من باب الابتكار إلى باب العقار، فوجد تمويلاً أرخص وأوفر مما تجده الأبحاث، وهو ما يعني توقف العالم عن تمويل الذكاء الاصطناعي بوصفه فكرة، وبدأ يموّله بوصفه مبنى، إلا أن الطرح يحمل عيبه في داخله؛ فالمبنى يبقى عشرين عاماً، أما الأجهزة التقنية التي بداخله فقد تصبح خردة خلال ثلاث سنوات أو خمس، في حين يمتد القرض لعقد أو أكثر.
أما الكتمان الذي كان يمنع الاستدانة قديماً فلم يختفِ، وإنما تغيّر موضعه؛ إذ بنت الشركات هياكل تمويلية جديدة بهدف حجب الفكرة، وإبقاء الدين خارج الدفاتر، وقد فعلت «ميتا» ذلك مؤخراً، حتى تجاوز حجم هذا التمويل الخفي 120 مليار دولار، معظمه من جهات إقراض تعمل خارج البنوك وأقل خضوعاً للرقابة، فالكتمان انتقل من إخفاء الأبحاث عن المنافسين إلى إخفاء الديون عن السوق، ولهذا حذّر بنك التسويات الدولية من أن هذه الموجة قد لا تكون قابلة للاستمرار، وحذّر صندوق النقد الدولي من أن الخطر ليس فقاعة الأسعار، بل جبل الدين الذي خلفها، وأن نحو 60 في المائة من المراكز المعلنة لم يبدأ العمل فيها أصلاً.
ويجدر التنويه بأن القطاع نفسه منقسم؛ فشركات مثل «ألفابت» و«مايكروسوفت» و«أمازون» بقيت على الطريقة القديمة؛ تدفع من أموالها أو تقترض باسمها الصريح دون كيانات وسيطة، بل ذهبت «ألفابت» إلى بيع حصص جديدة لمساهمين في أكبر عملية من نوعها في التاريخ، وهو ما تفترضه أدبيات التمويل، وفي المقابل من احتاج إلى الهندسة المالية المعقدة هو الأقل سيولة، وقد خفّضت وكالات التصنيف درجة ثقتها في شركة «أوراكل» بعد اتساع إنفاقها، والسؤال هنا: حين ينقسم القطاع بين من يدفع من جيبه ومن يبني هيكلاً ليدفع غيره، أيّهما يصدّق رهانه حقاً؟
أما الدراسات الاقتصادية فترى أن أثر الذكاء الاصطناعي في إنتاجية الاقتصاد لن يبلغ واحداً في المائة خلال عشر سنوات؛ أي أقل بكثير مما يفترضه هذا الإنفاق الضخم، وخرج مسح واسع شمل اقتصاديين ومتنبّئين محترفين بأن تقديرات النمو متواضعة حتى نهاية العقد على الأقل، في المقابل فإن حجة الشركات أن الإنفاق تأمين على البقاء لا مقامرة، وأن من يتأخر عن هذه الموجة قد لا يجد لنفسه مكاناً في السوق أصلاً.
وبين هذه الحجج جميعاً يبقى السؤال الأهم: من يحمل الرهان؟ فحين كان البحث يُموَّل من أموال الشركة كان المساهم يتحمل النتيجة وهو يعلم أنه قد يخسر كل شيء، أما اليوم فتنتقل مخاطرة بحثية بطبيعتها إلى حَمَلة سندات وشركات تأمين وصناديق تقاعد اشتروا أوراقاً قيل لهم إنها آمنة، وفيها مدخرات أناس لم يسمعوا بهذا الرهان أصلاً، وقد جاء نصف نمو الاقتصاد الأميركي مطلع هذا العام من هذا البند وحده، فأصبح لأميركا اقتصادان؛ واحد يبني مراكز البيانات وآخر يتحرك ببطء شديد، وهو الرهان نفسه الذي عُرف في كل موجة تقنية، لكن الذي تغيّر هذه المرة هو هوية من سيدفع ثمن الخسارة إن وقعت.
نقلا عن الشرق الأوسط


