كلما أعلنت دولة نمواً اقتصادياً، أول ما يتبادر للذهن كم كبر الاقتصاد؟ لكن الذي يهم كيف صُنعت هذه الزيادة! ومن يحصل على ثمارها؟ هذا الأسبوع قدم الاقتصاد الأمريكي مثالاً لافتاً إذ انخفضت حصة العاملين من الناتج إلى 52.9% في الربع الثاني، وهي الأدنى منذ بدء السلسلة عام 1947، في الوقت نفسه الذي ارتفعت فيه إنتاجية العمل 1.4% بمعدل سنوي، و2.2% مقارنة بالعام السابق. الملاحظ هنا ليس أن التقنية أخذت من العامل وأعطت المستثمر، بل أن الاقتصاد بدأ ينتج أكثر نتيجة استثمارات سبقت هذه المكاسب بسنوات.
فالإنتاجية هي القدرة على إنتاج قيمة أكبر بالموارد نفسها، وهي أساس ارتفاع مستويات المعيشة طويلًا. ويظهر تقرير البنك الدولي إلى أن اختلافات الإنتاجية تفسر نصف الفروق في نصيب الفرد من الناتج بين الدول. لذلك لم تكن الكهرباء أو الحاسب أو الإنترنت اختراعات، كانت استثمارات في قدرة الإنسان والشركة على مزيد من الإنتاج واليوم يبدو الذكاء الاصطناعي امتداداً لهذه السلسلة، لا بديلاً عن الإنسان بل أداة ترفع قيمة ما يستطيع إنتاجه.
الانفاق يوضح حجم الرهان. مايكروسوفت تتوقع إنفاق 190 مليار دولار رأسمالياً خلال 2026، وأمازون 200 مليار، وميتا رفعت نطاق إنفاقها المتوقع إلى ما بين 125 و145 مليار دولار، بينما قدرت ألفابت إنفاقها بين 175 و185 ملياراً. هذه المبالغ لا تذهب للبرامج فقط، بل إلى رقائق ومراكز بيانات وشبكات وطاقة وأصول ستخدم الاقتصاد لسنوات. ومن الطبيعي أن يظهر العائد أولاً لدى من تحمل تكلفة الاستثمار والمخاطر! فالثروة لا تُوزع قبل أن تُصنع.
وما يجعل التجربة الأمريكية أكثر أهمية أن إنتاجية العمل ارتفعت 2.2% في 2024، أكثر من ضعف متوسط 2010-2019، وقريبة من متوسط 2.3% المسجل بين 2000 و2007، بينما لم تتجاوز الزيادة في الاتحاد الأوروبي 0.2%. الفارق هنا ليس تقنياً فقط، بل استثماري أيضاً؛ فمن يسبق في بناء رأس المال الرقمي يرفع قدرته على الإنتاج والمنافسة، ثم تتحول المكاسب تدريجياً إلى أجور أعلى وأسعار أفضل وفرص جديدة، إذا واكبها الاستثمار في المهارات والتعليم.
فالنجاح لا يعني إحلال آلة محل موظف، وإنما تمكين الموظف من إنجاز ما كان يحتاج إلى وقت أطول لإنجازه. وكلما ارتفعت قيمة الساعة المنتجة، اتسعت قدرة الشركات على الاستثمار، وتحسنت قدرتها على دفع أجور أعلى، وظهرت أنشطة لم تكن موجودة. لذلك فإن سياسة توزيع ثمار التقنية ليست مقاومة رأس المال، بل توسيع المشاركة فيه، ورفع المهارات، وتحويل الاستثمار التقني إلى قدرة إنتاجية محلية قابلة للنمو مستقبلاً.
وهنا يصبح انخفاض حصة العمل إلى 52.9% إشارة تستحق المتابعة، لا حكماً ضد الاستثمار. فقد سبقت كل ثورة إنتاجية فترة حصل فيها رأس المال على حصة أكبر من المكاسب لأنه مول التحول، قبل أن تتوسع آثار التقنية وتتغير الوظائف وترتفع المهارات والأجور. التحدي الحقيقي ليس إبطاء الاستثمار حتى تتساوى الحصص سريعاً، وإنما تسريع قدرة العامل على الانتقال إلى الجزء الأعلى قيمة من الاقتصاد.
وهذا تحديداً ما يجعل المسار السعودي مهماً. فالسعودية رفعت الطاقة التشغيلية لمراكز البيانات من 68 ميجاواط في 2021 إلى أكثر من 440 ميجاواط في 2025، مع استثمارات تجاوزت 16 مليار ريال. القيمة الحقيقية لهذه الأصول لن تقاس بعدد المراكز أو حجم الإنفاق، بل بمقدار ما تضيفه إلى إنتاجية الشركات والموظفين والاقتصاد. الاستثمار يصنع القدرة، والقدرة ترفع الإنتاجية، والإنتاجية تصنع الثروة؛ وبعد ذلك فقط يصبح السؤال: كيف نوسع دائرة من يستفيد منها؟
نقلا عن الاقتصادية


