يمثل إقرار نظام التعليم العام الجديد خطوة مهمة في مسار تطوير التعليم في المملكة، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا لا يقل أهمية عن مواد النظام ولوائحه: كيف سنعرف أنه أحدث الأثر المنشود؟
فالأنظمة التعليمية لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدر تنفيذًا لها، ولا بعدد البرامج التي تطلقها، وإنما بما تحدثه من تغير حقيقي في تعلم الطالب، وأداء المعلم، وتجربة الأسرة، وعدالة الفرص بين المناطق والفئات، ثم بما تضيفه إلى المجتمع والاقتصاد على المدى البعيد.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء إطار وطني لقياس أثر النظام الجديد، لا بهدف إصدار حكم مبكر عليه، ولا للبحث عن جوانب القصور، بل بوصفه أداة للتطوير المستمر. فالإطار الجيد يساعد صانع القرار على معرفة ما الذي يعمل، ولمن يعمل، وفي أي منطقة، وبأي تكلفة، وما البرامج التي تستحق التوسع، وما السياسات التي تحتاج إلى تعديل.
وهذا مهم بصورة خاصة لأن النظام الجديد يتجاوز تنظيم المدرسة بمعناه التقليدي. فهو يمتد من الطفولة المبكرة إلى نهاية التعليم العام، ويتناول جودة التعليم، وتطوير المعلمين، وحقوق الطلاب، والمسارات المهنية والمتخصصة، والتعليم الإلكتروني، ودمج ذوي الإعاقة، ورعاية الموهوبين، والارتباط باحتياجات سوق العمل.
ولهذا فإن أثره لا ينبغي أن يُقرأ داخل المدرسة وحدها، بل في رحلة الطالب كاملة؛ من سنواته الأولى، إلى تعلمه ومهاراته، ثم انتقاله إلى الجامعة أو التدريب أو العمل، وصولًا إلى إنتاجيته وقدرته على الابتكار والمشاركة في اقتصاد أكثر تنافسية.
من التنفيذ إلى الأثر
من أكثر الأخطاء شيوعًا في متابعة السياسات العامة الخلط بين ما تم تنفيذه وبين ما تحقق بسببه. فتدريب آلاف المعلمين يُعد إنجازًا تنفيذيًا، لكنه لا يثبت أن ممارسات التدريس داخل الفصل قد تحسنت. وإنشاء مسار مهني جديد يعد خطوة مهمة، لكنه لا يعني تلقائيًا أن الطلاب اكتسبوا مهارات يحتاج إليها سوق العمل. كما أن ارتفاع نتائج الاختبارات بعد تطبيق برنامج جديد لا يعني بالضرورة أن البرنامج هو الذي أحدث التحسن كاملًا. ولتبسيط الفكرة، لنفترض أن برنامجًا لتحسين القراءة طُبق في مجموعة من المدارس، فارتفع متوسط الطلاب فيها من 70 إلى 80. هذا تحسن واضح، لكنه لا يكشف وحده أثر البرنامج. فإذا ارتفع متوسط طلاب مدارس مشابهة لم تطبق البرنامج من 70 إلى 75 خلال الفترة نفسها، فإن الأثر المقدر للبرنامج هو خمس نقاط إضافية، لأنها تمثل التحسن الذي يرجح أنه لم يكن ليتحقق من دونه. هذا هو جوهر قياس الأثر: ألا نسأل فقط ماذا حدث بعد السياسة، بل ماذا حدث بسببها. ولا يعني ذلك إخضاع كل مبادرة تعليمية لتجربة علمية معقدة، وإنما يعني توفير مقارنة معقولة، وخط أساس واضح، وأدلة تساعد على التمييز بين التحسن الطبيعي والتحسن الذي أحدثه التدخل.
إطار يبدأ من المدخلات وينتهي بالتنمية
يمكن بناء إطار قياس أثر النظام عبر سلسلة مترابطة تبدأ بالمدخلات، ثم تنتقل إلى العمليات والمخرجات، وتنتهي بالنتائج والآثار. فالمدخلات تشمل غالبا التمويل، والمعلمين، والمناهج، والمباني، والتقنية، واللوائح، وبرامج التطوير المهني. أما العمليات فيمكن القول إنها تشمل ما يحدث فعليًا داخل المدرسة، مثل جودة التدريس، والقيادة المدرسية، والإشراف، والتواصل مع الأسرة، ومعالجة شكاوى الطلاب، واستخدام الموارد. ثم تأتي المخرجات المباشرة، مثل عدد المدارس التي حصلت على الاعتماد، وعدد المعلمين الذين تلقوا التدريب، وعدد المسارات التي أُنشئت، والطلاب الذين استفادوا من الخدمات التعليمية. لكن المستوى الأهم هو النتائج والآثار. هنا يصبح السؤال على سبيل المثال: هل تحسن تعلم الطلاب؟ هل انخفض الغياب والتسرب؟ هل أصبحت المدرسة أكثر أمانًا؟ هل تقلصت الفجوات بين المناطق؟ هل أصبح انتقال الخريجين إلى التعليم أو العمل أكثر نجاحًا؟ وهل انعكس ذلك على الإنتاجية والابتكار وتنافسية الاقتصاد؟ هذا التسلسل يمنع اختزال النجاح في تنفيذ النشاط، ويربط كل مبادرة بالغاية التي أُنشئت من أجلها.
ما الذي ينبغي قياسه؟
نرى أنه يجب ألا يُختزل أثر النظام في نتائج الاختبارات، كما لا ينبغي اختزاله في معدلات التوظيف فقط. فالتعليم يؤثر في الفرد والمجتمع والاقتصاد عبر مسارات متعددة ومترابطة. يبدأ القياس بالأثر التعليمي، أي بما إذا كان الطالب قد تعلم فعلًا، لا بعدد السنوات التي قضاها في المدرسة فقط. ويشمل ذلك القراءة والرياضيات والعلوم، والتفكير الناقد، وحل المشكلات، والمهارات الرقمية، والقدرة على استخدام المعرفة في مواقف جديدة. كما ينبغي أن يبدأ القياس من الطفولة المبكرة، فلا يقتصر على عدد المقاعد المتاحة، بل يمتد إلى جودة البيئة التعليمية، والتطور اللغوي والاجتماعي، ومدى استعداد الطفل للصف الأول، ثم استمرار أثر هذه المرحلة في السنوات التالية.
أما الأثر الاقتصادي، فيظهر في قدرة التعليم على بناء رأس مال بشري أكثر إنتاجية وقدرة على التكيف والتطوير. وهنا لا يكفي أن نسأل هل حصل الخريج على وظيفة، بل ما نوع الوظيفة؟ وهل تستخدم مهاراته؟ وهل يستطيع الاستمرار والتطور؟ وهل يتحسن دخله بمرور الوقت؟ وهل يستطيع الانتقال إلى مهن وقطاعات ذات قيمة مضافة أعلى؟. ومن هذه الزاوية، يصبح تحسين تنافسية الاقتصاد أحد الأهداف التي ينبغي أن يقاس إسهام النظام فيها. فالتعليم لا يعزز التنافسية بكثرة الشهادات، بل ببناء أفراد قادرين على التفكير، والتعلم، والتكيف مع التقنية، وحل المشكلات، والتطوير والابتكار، والعمل في قطاعات جديدة.
وكي نكون منصفين، لا يعني ذلك نسبة أي تحسن أو تراجع اقتصادي إلى التعليم وحده، فتنافسية الاقتصاد تتأثر بعوامل كثيرة وبديناميكية الاقتصاد والمراحل التي يمر بها والتي شرحناها في مقالات سابقة عن قياس الأثر. ومن بين العوامل التي تؤثر على نتائج الاُثر تبرز أهمية توفر موارد الاستثمار والتنظيم والبنية التحتية وسياسات سوق العمل. لكن يمكن قياس الطريق الذي يربط التعليم بتنافسية الاقتصاد الوطني، بدءًا من جودة المهارات، مرورًا بالانتقال إلى العمل، وانتهاءً بالإنتاجية والابتكار وريادة الأعمال. إضافة لذلك، يجب أن يشمل الإطار أيضًا الأثر الاجتماعي. فالطالب قد يحقق درجة مرتفعة، لكنه يدرس في بيئة لا يشعر فيها بالأمان أو الانتماء. لذلك ينبغي قياس الصحة النفسية، والتنمر، والعلاقة بالمعلمين والزملاء، والثقة في المدرسة، وجودة معالجة الشكاوى، ومشاركة الأسرة، ودمج الطلاب ذوي الإعاقة.
كما يجب قياس مدى قدرة التعليم على توسيع الحراك الاجتماعي. والسؤال هنا هو: هل يستطيع النظام تقليل أثر دخل الأسرة أو موقعها الجغرافي أو مستوى تعليم الوالدين في مستقبل الطفل؟ وهل يحصل الطلاب في مختلف المناطق والفئات على فرص متقاربة للتعلم والإكمال والانتقال إلى العمل؟. وهنا يلتقي الأثر الاجتماعي بالأثر التنموي. فارتفاع المتوسط الوطني للتعليم لا يكفي إذا ظلت بعض المناطق أو الفئات بعيدة عن فرص التعليم الجيد. المطلوب هو معرفة ما إذا كانت الفجوات تتقلص، وما إذا كانت المناطق الأقل أداءً تتحسن بوتيرة أسرع، وما إذا كانت الموارد والخدمات تصل وفق الاحتياج الفعلي.
لوحة وطنية محدودة وواضحة
لا يحتاج صانع القرار إلى مئات المؤشرات تُعرض عليه في صفحة واحدة، كما لا ينبغي اختزال النظام كله في رقم واحد. الأنسب هو بناء لوحة وطنية محدودة وواضحة تضم مؤشرات قيادية تغطي جودة التعلم، والحضور والإكمال، والرفاه والسلامة، والعدالة بين المناطق والفئات، وأداء المعلمين، وفاعلية المسارات التعليمية، والانتقال بعد الثانوية، ونتائج سوق العمل، وتنافسية القدرات البشرية، والقيمة مقابل المال، جميعها تُربط بمؤشرات الاقتصاد الوطني على المدى المتوسط والطويل. ويجب أن يكون لكل مؤشر تعريف واضح، وخط أساس، ومصدر بيانات، ودورية تحديث، وجهة مسؤولة عنه.
فعبارة مثل «انخفض التسرب أو الانقطاع عن مرحلة تعليمية لاحقة» لا تكفي. يجب أن نعرف كيف عُرّف التسرب، وخلال أي فترة، وفي أي مناطق، وبين أي فئات، وما إذا كان التغير حقيقيًا أم ناتجًا عن اختلاف في طريقة التسجيل. والأمر نفسه ينطبق على التوظيف، فالحصول على أي وظيفة يختلف عن الحصول على وظيفة مستقرة تستخدم مهارات الخريج وتتيح له النمو والمساهمة في التطوير.
متابعة رحلة الطالب بعد التخرج
قد يكون أكبر فجوة في قياس أثر التعليم تظهر عادة بعد مغادرة الطالب المدرسة. تتوقف البيانات التعليمية، بينما تبدأ رحلة جديدة في الجامعة أو التدريب أو سوق العمل. ولهذا يمكن إنشاء سجل طولي لمخرجات التعليم العام، يربط بصورة آمنة ومشفرة بين الحضور والتحصيل والمسار الدراسي والخدمات التي حصل عليها الطالب، ثم انتقاله إلى التعليم الجامعي أو التقني، وبعد ذلك إلى العمل والمهنة والدخل والاستمرارية. ولا يعني ذلك إنشاء ملف مفتوح عن الأفراد والمخاطرة بالخصوصية، بل بناء بيئة إحصائية تحمي الهوية وتستخدم البيانات لفهم الأنماط العامة. ومن خلال هذا السجل يمكن معرفة أثر الغياب بعد سنوات، ومقارنة نتائج المسارات التعليمية، ورصد المناطق التي يتعثر فيها الانتقال من المدرسة إلى العمل، وقياس العلاقة بين جودة التعليم والدخل والإنتاجية وحتى تنافسية ونمو الاقتصاد.
من يقود منظومة القياس؟
يحتاج الإطار إلى مظلة مؤسسية تنسق بين الجهات المختلفة. ويمكن إنشاء مرصد وطني لأثر التعليم العام تحت مظلة مجلس شؤون التعليم العام أو في ارتباط مناسب به من خلال مثلا مركز سياسات التعليم، على ألا يكون جهاز تفتيش جديدًا يضيف أعباء على المدارس، بل منصة للتنسيق والتحليل والتعلم، تتولى وزارة التعليم بيانات التنفيذ، وتشارك هيئة تقويم التعليم والتدريب في قياس التعلم والجودة، وتدعم الهيئة العامة للإحصاء الربط والتحليل، بينما تشارك الجهات المعنية بالتعليم الجامعي والتقني وسوق العمل والتأمينات في متابعة انتقال الخريجين ونتائجهم المهنية. كما ينبغي أن تشارك الجامعات ومراكز البحوث في تقييمات مستقلة، بما يعزز المصداقية ويمنع أن تكون الجهة التي تنفذ البرنامج هي الجهة الوحيدة التي تحكم على نجاحه.
القياس الذي يغيّر القرار
لا قيمة لتقرير أثر ينتهي دوره يوم نشره. فالقيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول نتائجه إلى قرارات واضحة: ما البرنامج الذي سيستمر؟ وما الذي سيتوسع؟ وما الذي يحتاج إلى تعديل؟ وأين ينبغي إعادة توجيه الموارد؟ وما التدخل الذي لم يحقق النتيجة المتوقعة؟ عندها تتحول البيانات من أرشيف إلى ذاكرة مؤسسية، ويتحول التقييم من وصف للماضي إلى أداة لصناعة المستقبل. ونرى أن بناء إطار وطني لقياس أثر نظام التعليم العام الجديد ليس مهمة تقنية فقط، بل مشروع وطني يربط المدرسة بالاقتصاد، والطالب بمستقبله، والسياسات بالنتائج الفعلية على الأرض.
أخيراً وليس آخراً، عندما تستطيع منظومة التعليم الإجابة بوضوح عن أسئلة: ما السياسات والبرامج التي تحقق نتائج فعلية؟ ومن هم المستفيدون منها؟ وفي أي مناطق أو بيئات تحقق أفضل أثر؟ وبأي تكلفة؟ وكيف يسهم في تنمية الإنسان وتنافسية الاقتصاد؟ فإنها لا تكون قد بنت نظامًا للقياس فقط، بل تكون قد بنت نظامًا تعليميًا يتعلم من نفسه، ويصحح مساره، ويضاعف أثره في المجتمع والتنمية الوطنية.
خاص_الفابيتا


