في زمن أصبحت فيه السعادة تُقاس بما نملك، لا بما نقدم، يركض كثيرا من الناس خلف المال والمناصب والمقتنيات، معتقدين أن كل إنجاز جديد سيمنحهم شعورًا دائمًا بالرضا. لكن المفارقة أن السعادة الحقيقية لا تأتي دائمًا من الأخذ، بل كثيرًا ما تبدأ لحظة العطاء. فهناك علاقة خفية بين الإنسان والعطاء، علاقة تجعل ما يخرج من يده يعود إلى قلبه أضعافًا من الطمأنينة والسكينة، ولذلك يمكن وصف العطاء بأنه كيمياء السعادة؛ فهو يحول فعلًا بسيطًا إلى أثر نفسي وإنساني عميق.
العطاء ليس قيمة أخلاقية فحسب، بل هو استثمار في الإنسان والمجتمع، فعندما يساعد الفرد غيره، أو يشارك علمه، أو يخصص جزءًا من وقته لخدمة الآخرين، فإنه لا يحل مشكلة آنية فقط، بل يبني جسورًا من الثقة والانتماء والتكافل، ولهذا كانت المجتمعات الأكثر استقرارًا هي تلك التي يتحول فيها العطاء إلى ثقافة، لا إلى مبادرات موسمية.
ومن اللافت أن العلم وصل إلى النتيجة نفسها التي دعت إليها القيم الدينية منذ قرون، فقد أثبتت الدراسات أن ممارسة أعمال الخير والتطوع تحفز إفراز مواد كيميائية في الدماغ ترتبط بالشعور بالسعادة والراحة، وتخفض مستويات التوتر والقلق. وكأن الإنسان خُلق ليجد جزءًا من سعادته في إسعاد الآخرين، لا في الاكتفاء بخدمة نفسه.
وفي الإسلام، لم يكن العطاء خيارًا اجتماعيًا، بل منهج حياة. فالزكاة ركن، والصدقة باب واسع، والإحسان قيمة تتجاوز المال إلى كل عمل نافع. ولم يربط الإسلام العطاء بحجم ما يملكه الإنسان، وإنما بإخلاصه وقدرته. فقد تكون كلمة صادقة، أو نصيحة مخلصة، أو ابتسامة، أو تفريج كربة، أعظم أثرًا من مال كثير لا يصاحبه صدق النية.
ولعل المملكة العربية السعودية تقدم اليوم نموذجًا متقدمًا في ترسيخ ثقافة العطاء المؤسسي، من خلال منظومة متكاملة للعمل الخيري، ومنصات رقمية رفعت مستويات الشفافية والحوكمة، وسهلت وصول التبرعات إلى مستحقيها، حتى أصبح العمل الخيري جزءًا من مسيرة التنمية الوطنية، لا نشاطًا منفصلًا عنها. وهذا يعكس أن الاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في الاقتصاد.
ومع ذلك، يبقى العطاء الحقيقي هو الذي يصبح أسلوب حياة. أن يسأل الإنسان نفسه كل يوم: ماذا أضفت اليوم إلى حياة غيري؟ لأن قيمة الإنسان لا تُقاس فقط بما جمع، بل أيضًا بما ترك من أثر. فالمال يبقى في الحسابات، أما الخير فيبقى في القلوب، وفي الدعوات، وفي الذكر الحسن.
إن السعادة ليست وجهة نصل إليها، بل نتيجة طبيعية لما نصنعه من خير. وكلما اتسعت دائرة العطاء، اتسعت معها دائرة الرضا في داخل الإنسان. ولهذا فإن أعظم استثمار يمكن أن يحققه المرء في حياته ليس في الأصول أو الأموال، بل في الأثر الذي يتركه خلفه. فالعطاء لا يغير حياة المحتاج وحده، بل يعيد تشكيل روح المعطي نفسها، ويثبت أن كيمياء السعادة تبدأ عندما يتحول الإنسان من باحث عن الخير لنفسه إلى صانعٍ للخير لغيره.
نقلا عن الرياض

