في يناير 2017 نشرت في صحيفة مال مقالاً بعنوان "كيف ترفع المراعي قيمتها 7 مليارات بقرار؟"
كانت الفكرة في ذلك الوقت تبدو غير تقليدية، إذ اقترحت أن تعظيم قيمة المساهمين قد لا يأتي من افتتاح مصنع جديد أو دخول سوق جديدة، وإنما من فصل قطاع الدواجن عن شركة المراعي ليصبح شركة مستقلة.
بعد مرور ما يقارب عقداً من الزمن، أجد أن السؤال لم يفقد أهميته، بل أصبح أكثر إلحاحاً.
ليس لأن المراعي تواجه مشكلة، بل لأن الفكر الإداري والمالي العالمي تغير بصورة جوهرية. فخلال السنوات الأخيرة، اتجهت أكبر الشركات العالمية إلى تبسيط هياكلها والتركيز على أنشطتها الأساسية، بعدما اكتشفت أن السوق لا يكافئ الشركات متعددة الأنشطة بالقدر الذي كان يفعله في الماضي.
لقد تغير السؤال من: كيف نجعل الشركة أكبر؟
إلى: كيف نجعل الشركة أكثر قيمة؟
وهناك فرق كبير بين السؤالين.

عندما قررت جنرال إلكتريك أن تصبح أصغر.. أصبحت أكثر قيمة
لأكثر من مائة عام كانت General Electric رمزاً للتكتلات الصناعية العملاقة.
وكانت فلسفة الإدارة تقوم على تنويع الأنشطة باعتبار أن التنويع يقلل المخاطر ويزيد القيمة.
لكن في عام 2024 اتخذت الشركة قراراً تاريخياً بتقسيم نفسها إلى ثلاث شركات مستقلة. لم يكن السبب ضعف أعمالها، بل إدراك الإدارة أن المستثمر لم يعد يريد شراء "كل شيء"، بل يريد شراء نشاط واضح يمكن فهمه وتقييمه.
وفي قطاع الرعاية الصحية قامت Johnson & Johnson بفصل قطاع المنتجات الاستهلاكية في شركة مستقلة هي Kenvue، كما فصلت eBay شركة PayPal، وفصلت Fiat Chrysler شركة Ferrari.
في جميع هذه الحالات لم تكن الشركات تتخلص من أنشطة ضعيفة، وإنما كانت تحاول تحرير القيمة المحتجزة داخل المجموعة.
وهذا هو المفهوم الذي يعرف في التمويل باسم:
Unlocking Shareholder Value أي تحرير القيمة الكامنة للمساهمين.
خصم التكتلات.. العدو الصامت لقيمة الشركات
يعرف المحللون الماليون ظاهرة تسمى Conglomerate Discount أو خصم الشركات المتكتلة.
وهي ببساطة تعني أن السوق غالباً لا يمنح الشركة التي تضم أنشطة مختلفة القيمة نفسها التي يمنحها لو كانت تلك الأنشطة شركات مستقلة.. والسبب بسيط.
فعندما تكون الشركة مزيجاً من أنشطة مختلفة في النمو والمخاطر وهوامش الربحية، يصبح من الصعب على المستثمر تقييمها، فيلجأ إلى منحها مضاعف تقييم أقل أي أن المشكلة ليست في جودة الأنشطة بل في أن هيكل الشركة يخفي القيمة الحقيقية لكل نشاط.

هل تنطبق هذه الفكرة على المراعي؟
برأيي نعم.
فالمراعي ليست شركة ألبان فقط.
إنها تضم: الألبان، العصائر، المخبوزات، الدواجن
لكن هذه الأنشطة ليست متشابهة.
فنشاط الألبان يعتمد على علامة تجارية قوية، وتدفقات نقدية مستقرة، وقدرة عالية على التسعير، بينما يعتمد قطاع الدواجن على اقتصاديات مختلفة تماماً، فهو أكثر حساسية لأسعار الأعلاف، وأكثر تأثراً بدورات العرض والطلب، ويحتاج إلى استثمارات رأسمالية مختلفة.
وعندما يجتمع النشاطان داخل شركة واحدة، يحصلان على مضاعف تقييم واحد رغم اختلاف خصائصهما.
وهنا قد يخسر النشاطان معاً.

المستثمر لا يشتري الإيرادات.. بل يشتري جودة الإيرادات هذه نقطة يغفل عنها كثير من مجالس الإدارات.
فالسوق لا يكافئ الشركة لأنها تحقق مبيعات أكبر. بل لأنه يثق باستدامة تلك الأرباح، وجودة التدفقات النقدية، وقدرة النشاط على النمو.
ولهذا قد نجد شركتين تحققان الأرباح نفسها، لكن إحداهما تتداول عند مضاعف ربحية أعلى بكثير لأن نموذج أعمالها أكثر وضوحاً.
ولهذا فإن السؤال ليس: كم تحقق المراعي من الإيرادات؟
بل كيف يقيم المستثمر كل ريال من تلك الإيرادات؟
ماذا يقول علم التمويل؟
في بنوك الاستثمار العالمية، لا يبدأ تقييم الشركات المتنوعة من القيمة السوقية، بل من تقسيم الشركة إلى وحدات أعمال مستقلة، ثم تقييم كل وحدة وفق الشركات المماثلة لها.
وتعرف هذه المنهجية باسم:
Sum of the Parts Valuation (SOTP)
ولو طبقنا هذا النموذج على المراعي، فمن المرجح أن يحصل نشاط الألبان على مضاعفات تقييم تختلف عن نشاط الدواجن، لأن المستثمرين ينظرون إلى كل قطاع بطريقة مختلفة، وهذا قد يؤدي إلى قيمة إجمالية أعلى من تقييم الشركة بصورتها الحالية.
ليست دعوة إلى بيع قطاع الدواجن
أود أن أوضح نقطة مهمة أنا لا أدعو إلى بيع قطاع الدواجن ولا أقول إنه نشاط أقل جودة، بل على العكس.
قد يكون قطاع الدواجن نفسه مقوماً بأقل من قيمته الحقيقية بسبب وجوده داخل المراعي وفي الوقت نفسه قد يكون نشاط الألبان أيضاً مقوماً بأقل من قيمته أي أن كلا النشاطين يخسران من بقائهما داخل كيان واحد.
وهذه هي المفارقة.
القيادة تتغير.. وكذلك هيكل الشركة
يشير أستاذ التمويل في جامعة نيويورك Aswath Damodaran إلى أن قيمة الشركة لا تعتمد فقط على حجم التدفقات النقدية، بل أيضاً على طبيعة النشاط الذي يولد تلك التدفقات ومستوى مخاطره.
كما يؤكد أن كل مرحلة من مراحل نمو الشركات تحتاج إلى نموذج قيادة مختلف، لأن التحديات تتغير مع تطور المؤسسة وينطبق الأمر نفسه على الشركات نفسها.
فالهيكل الذي كان مناسباً عندما كانت الشركة في مرحلة النمو قد لا يكون هو الهيكل الأمثل عندما تصبح شركة ناضجة تبلغ قيمتها عشرات المليارات.
ماذا سيستفيد المساهم؟
إذا أصبح قطاع الدواجن شركة مستقلة، فقد تتحقق مجموعة من المزايا:
•تقييم مستقل لكل نشاط.
•وضوح أكبر للمستثمرين.
•تخصيص أكثر كفاءة لرأس المال.
•إدارة متخصصة لكل قطاع.
•سياسات تمويل وتوزيعات تناسب طبيعة كل نشاط.
•إمكانية جذب مستثمرين مختلفين لكل شركة.
•زيادة الشفافية والإفصاح.
•وضوح أكبر في قياس الأداء والمساءلة.
وهذه ليست مزايا نظرية، بل هي الأسباب نفسها التي دفعت شركات عالمية إلى تنفيذ عمليات الفصل خلال السنوات الأخيرة.
هل يمكن أن ترتفع قيمة المراعي؟
لا يستطيع أحد أن يجزم بحجم الزيادة دون دراسة مالية مفصلة.
لكن التجارب العالمية تشير إلى أن إزالة خصم التكتلات قد تضيف قيمة ملموسة للمساهمين عندما تكون الأنشطة مختلفة في طبيعتها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يمكن أن ترتفع قيمة المراعي؟
بل أصبح: هل يحصل مساهموا المراعي اليوم على القيمة الحقيقية لكل نشاط داخل الشركة؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن إعادة هيكلة الشركة تصبح خياراً استراتيجياً يستحق الدراسة.
خاتمة
قبل عشرين عاماً كانت الشركات تتنافس على أن تصبح أكبر أما اليوم فهي تتنافس على أن تصبح أكثر تركيزاً
فالسوق لم يعد يكافئ التعقيد، بل يكافئ الوضوح.
ولعل السؤال الذي يستحق أن تطرحه كل شركة مدرجة اليوم هو:
هل نضيف قيمة لأننا نجمع الأنشطة داخل شركة واحدة، أم أننا نحجب جزءاً من قيمة تلك الأنشطة بسبب هذا الدمج؟
قبل ثماني سنوات، كان سؤالي:
كيف ترفع المراعي قيمتها بقرار واحد؟
واليوم أصبح السؤال أكثر عمقاً: هل آن الأوان أن تعيد المراعي تعريف حدود الشركة بما يعظم قيمة مساهميها؟
لماذا قد تؤيد هيئة السوق المالية هذا النوع من العمليات؟
لأن الفصل يؤدي عادة إلى:
•تحسين الإفصاح.
•زيادة شفافية الأداء.
•وضوح تخصيص رأس المال.
•سهولة تقييم كل شركة.
•تعزيز المساءلة أمام المستثمرين.
خاص_الفابيتا



فكرة جديرة بالبحث نتمنى ان تدرس بقية الشركات الكبيرة هذا التوجه مثل البحري الكهرباء وغيره من الشركات المتضخمة
مقال اكثر من رائع .. وفقك الله
مقال ممتع وطرح متجدد من الأستاذ راضي الحداد. المبدأ التمويلي وفكرة تحرير القيمة (Unlocking Value) باستخدام تقييم أجزاء الشركة (SOTP) منطقية جداً على الورق وتطبّق عالمياً، لكن عند إنزال الفكرة على واقع "المراعي" تحديداً، هناك زوايا عملية وتطبيقية تستحق التوقف عندها: العلاوة السعرية وقوة البراند: السهم يتداول حالياً بعلاوة تقييم (Valuation Premium) جيدة تعكس حصتها السوقية الكبيرة (اللي تتجاوز 60-80% في فئات رئيسية) وقوة العلامة التجارية، وهذا يعطي انطباع إن السوق يقيّمها كشركة قائدة في قطاعها ويتقبل هيكلها الحالي، وليس بالضرورة أنه يعاقبها بـ "خصم تكتل" (Conglomerate Discount) ننتظر تحريره بالفصل. وفورات الحجم والتوزيع الموحد: نقطة القوة الميدانية لـ "المراعي" هي شبكة التوزيع واللوجستيات؛ أسطول واحد يخدم الألبان والدواجن والمخبوزات بنفس الكفاءة وبأقل تكلفة ممكنة. الفصل التشغيلي (Spin-off) معناه ازدواجية في المصاريف العمومية والإدارية (SG&A)، وتشتيت لأسطول التوزيع، وفقدان ميزة التآزر (Synergies) اللي تبنت عليها الشركة كفاءتها المالية. الفكرة التي طرحها المقال ممتازة لفتح النقاش، لكن التحدي الحقيقي: هل القيمة النظرية التي سنحصل عليها من تقييم كل قطاع لوحده ستكون أكبر من التكاليف الملموسة وفقدان كفاءة التوزيع اللي بنخسرها واقعياً بعد الفصل؟
إستكمالاً للنقطة المتعلقة بقطاع الدواجن تحديداً؛ يجدر بالذكر أن دخول "المراعي" لهذا القطاع لم يكن نشاطاً عشوائياً، بل جاء عبر الاستحواذ التاريخي على شركة "هادكو" (حائل للتنمية الزراعية) مقابل إصدار أسهم جديدة لملاّكها. وقتها، بُنيت أطروحة الصفقة وسُوّقت للمساهمين على أساس أن التآزر التشغيلي (Synergies Integration) والربط اللوجستي مع شبكة "المراعي" هو المحرك الأساسي لخلق القيمة للطرفين. بالتالي، فإن طرح فكرة الفصل اليوم يضعنا أمام مفارقة استراتيجية: هل انتهت جدوى التآزر الذي أُنشئت عليه الصفقة أصلاً؟ أم أن القيمة الفعلية لقطاع الدواجن اليوم هي نتاج طبيعي لبقائه ضمن هذا الكيان الموحد؟