لم يكد المشهد الاحتفالي لنهائي كأس العالم 2026 في نيويورك يغيب عن الشاشات، حتى انفجرت في وجه الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) أزمة هي الأخطر منذ فضيحة الفساد عام 2015؛ فخلال أسبوع واحد فقط انكشفت خطة سرية أعدها رئيس «الفيفا» جياني إنفانتينو لبيع حصة من الحقوق التجارية لكأس العالم لمستثمرين من القطاع الخاص، وتوالت ردود الفعل الرافضة من كل اتجاه، حتى أعلن الرجل ليل الجمعة الماضي تخليه الكامل عن المشروع، معترفاً بأنه أحدث «انقسامات لم تعد تخدم الهدف الذي وُضع لأجله»، ليُطوى في سبعة أيام مشروع أُعدّ له في الخفاء عاماً كاملاً.
وتقوم الخطة على إنشاء شركة جديدة باسم «فيفا فورورد إنتربرايز» (FFE) تُنقل إليها الأصول التجارية لـ«الفيفا»، وعلى رأسها حقوق كأس العالم للرجال والسيدات، بتقييم يبلغ عشرين مليار دولار، ثم بيع عشرين في المائة منها لتحالف مستثمرين يقوده صندوق «ثرايف» المملوك لجوشوا كوشنر، شقيق صهر الرئيس الأميركي، في حين تولى بنك «جي بي مورغان» الإشراف على جمع التمويل. والفكرة ليست وليدة اليوم؛ فقد درس «الفيفا» عام 2018 عرضاً مدعوماً من «سوفت بنك» بخمسة وعشرين مليار دولار أجهضته المعارضة، غير أنها عادت هذه المرة بعد مونديال أميركا وكندا والمكسيك الذي رفع الإيرادات إلى خمسة عشر مليار دولار؛ أي قرابة ضعف ما حققته البطولة التي أقيمت في قطر.
من وجهة نظر إنفانتينو، فإن البطولة تشكل قيمة تجارية غير مستغلة، وقد قدّم لها مونديال هذا الصيف شواهد عملية، من استراحتَي شرب المياه اللتين حوّلتهما القنوات الناقلة لإعلانات بمئات الملايين، إلى عرض الاستراحة على طريقة «السوبر بول»، أما أداة الإقناع فكانت المال نفسه؛ عشرون مليون دولار فورية لكل اتحاد وطني يوافق، ومخصصات ترتفع حتى أربعين مليوناً في الدورة الممتدة من 2027 إلى 2030 ضمن حزمة تمويل بعشرة مليارات. وهنا تتجلى حسابات الرجل السياسية؛ فالتصويت في «الفيفا» يمنح صوتاً واحداً لكل اتحاد من الاتحادات الأعضاء الـ211 مهما صغر، فصوت سان مارينو يعادل صوت إسبانيا بطلة الكأس، والمبلغ الذي لا يعني شيئاً لاتحاد ثري، يمثل تحولاً جذرياً لاتحاد صغير. وهو النهج التي انتهجه إنفانتينو لبناء نفوذه منذ توليه الرئاسة عام 2016، وبالمناسبة هو نفس النهج الذي انتهجه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليويفا) عندما غير محاصصة الدول في دوري أبطال أوروبا.
غير أن العاصفة جاءت أسرع وأعنف مما قدّر رئيس «الفيفا»؛ فأعلن «اليويفا» أنه لا يمكن أن يعامل كأس العالم بصفته منتجاً استثمارياً، وأجمع أعضاؤه الخمسة والخمسون على مقاطعة بطولات «الفيفا» حتى تُسحب الخطة، وتبعه اتحادا أميركا الشمالية وآسيا، وهدّدت المفوضية الأوروبية بتحقيق في قوانين المنافسة، وطالب رئيس الوزراء البريطاني إنفانتينو بالاستقالة، بل جاء الطعن الأبلغ من الداخل؛ إذ استقال كبير مستشاريه كارلوس كورديرو، واصفاً الصفقة بأنها صفقة سيئة لكرة القدم، وخرج المدير التشغيلي للمنظمة ليقول إنها مشروع شخص واحد، وبالتأكيد فإنه لا أحد يرغب في البقاء في السفينة الغارقة.
والمفارقة أن مبدأ الصفقة ليس بدعاً في عالم الرياضة؛ فالدوريان الإسباني والفرنسي باعا حصصاً من أذرعهما التجارية لصناديق الاستثمار، و«الفورمولا 1» شركة مدرجة أصلاً، ولكن نقاطاً ثلاثاً أضعفت موقف رئيس «الفيفا»؛ أولاها الحاجة، فـ«الفيفا» يجلس على مليارات من الاحتياطيات بلا ديون، فلماذا يبيع أثمن أصوله؟ وثانيتها السعر، فكأس العالم للرجال وحده يدرّ نحو ثلاثة مليارات ونصف المليار سنوياً، ما يجعل التقييم مضاعفاً لا يتجاوز ستة أضعاف الإيراد، وهو تقييم يقارب تقييم «الفورمولا 1» رغم أن كرة القدم أضخم بما لا يقاس، ولذلك رأى محللون أن البيع إن كان لا بد منه، فطريقه مزاد علني أو طرح عام، لا صفقة خاصة تُعدّ في سرية تامة. وثالثتها المأزق القانوني، فـ«الفيفا» جمعية غير ربحية بموجب القانون السويسري، ومكانته وإعفاءاته مبنية على أن أرباحه التجارية تموّل رسالته في تطوير اللعبة، فإذا دخل مستثمرون لا يشترون الحصة حباً في نشر كرة القدم، بل طلباً للعائد، اهتز الأساس الذي تقوم عليه هذه الصفة كلها، فضلاً عن سؤال الوصاية الذي اختصره «اليويفا»: كأس العالم بناه أجيال من اللاعبين والمنتخبات والجماهير، و«الفيفا» وصيّ عليه لا مالك له.
كما أن أثر الصفقة يتجاوز دفاتر المحاسبة إلى حوافز اللعبة نفسها، فالمستثمر الذي يدفع المليارات سيطالب حتماً بعائد، والعائد في الرياضة يعني مباريات أكثر وبطولات أوسع وتسعيراً أقسى للتذاكر، في لعبة تشكو أصلاً من ازدحام روزنامتها وإنهاك لاعبيها، حتى يتحول المهرجان الرياضي إلى أصل ترفيهي يُدار لتعظيم الربح، وهو أيضاً ما فعله «اليويفا» على الأقل مرتين؛ مرة عند زيادة عدد مباريات دوري أبطال أوروبا، وأخرى عند استحداث «بطولة الأمم» عام 2018.
وهكذا تتكرر قصة «دوري السوبر الأوروبي» الذي مات في مهده، فسقط في أقل من يومين. وقد اختار رئيس «الفيفا» أسوأ توقيت لهذه المبادرة؛ فما زال الأوروبيون غاضبين منه بسبب إلغاء البطاقة الحمراء للاعب الأميركي في كأس العالم. وبينما كانت تشير معظم المؤشرات إلى قرب نهاية رئاسة إنفانتينو، جاء تسليع كأس العالم ليكون المسمار الأخير في نعش رئاسته.
نقلا عن الشرق الأوسط


