سجّل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة العربية السعودية انكماشًا بنسبة 4.8% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من عام 2026، وفقًا للتقديرات السريعة الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء (GASTAT)، في أول قراءة سلبية للنمو منذ بداية سلسلة البيانات الحالية مطلع عام 2024، وذلك بعد أن كان الاقتصاد قد سجّل نموًا بنسبة 3.0% في الربع الأول من العام ذاته. ويُعزى هذا التراجع الحاد بشكل شبه كامل إلى انكماش الأنشطة النفطية بنسبة 24.7% سنويًا، وهو أعمق انكماش تشهده هذه الأنشطة في السلسلة الزمنية المتاحة، متجاوزًا حتى انكماش فترة خفض الإنتاج الطوعي في مطلع 2024.
الأكثر دلالة أن الأنشطة غير النفطية، التي ظلت لسنوات الركيزة الأكثر استقرارًا لنمو الاقتصاد السعودي ومحرك أجندة التنويع الاقتصادي، تباطأت بشكل حاد إلى نمو هامشي بلغ 0.6% فقط على أساس سنوي مقارنة بمعدلات تجاوزت 5% طوال عام 2025 بل وسجّلت انكماشًا فعليًا بنسبة 0.5% على أساس ربعي معدّل موسميًا، وهو ما يشير إلى أن أثر الصدمة النفطية بدأ يتسرّب إلى الاقتصاد غير النفطي وليس محصورًا في قطاع الطاقة وحده.

الصدمة الجيوسياسية وقناة نقلها إلى الناتج
يأتي هذا الانكماش في سياق أزمة إقليمية غير مسبوقة في مضيق هرمز، إذ أدت الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران التي بدأت أواخر فبراير 2026، والردود الإيرانية التي استهدفت منشآت تصدير رئيسة في الخليج بما في ذلك مجمع ينبع السعودي للتكرير إلى تعطّل شبه كامل لحركة الناقلات عبر المضيق، الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط الخام عالميًا. ونتيجة لذلك اضطرت المملكة، إلى جانب العراق والكويت والإمارات وقطر، إلى تعليق جزء كبير من إنتاجها النفطي لعدم القدرة على التصدير، رغم امتلاك أرامكو مسارات بديلة عبر البحر الأحمر بطاقة محدودة نسبيًا لا تعوّض حجم الانقطاع.
وبينما أظهرت بيانات الربع الأول 2026 تماسكًا نسبيًا (نمو نفطي إيجابي بلغ 2.9% سنويًا رغم انكماش ربعي بنسبة 7.2%)، فإن استمرار الأزمة وتعمّقها خلال الربع الثاني كان العامل الحاسم وراء اتساع الانكماش النفطي إلى 24.7% سنويًا و21.5% ربعيًا (معدّل موسميًا) وهو ما يعكس تعطلًا فعليًا في حجم الإنتاج والتصدير وليس مجرد أثر سعري، ذلك أن أرقام الناتج المحلي الحقيقي تُقاس بالحجم لا بالقيمة.
تحليل مساهمة الأنشطة في النمو
يوضح الشكل أعلاه أن الأنشطة النفطية كانت المحرك الرئيس للتذبذب في مسار الناتج الإجمالي طوال فترة العرض، إذ انتقلت من انكماش عميق في أوائل 2024 (خفض الإنتاج الطوعي ضمن اتفاق أوبك+) إلى نمو قوي بلغ ذروته عند 10.8% في الربع الرابع 2025 مع بدء التخفيف التدريجي للقيود، قبل أن تنقلب مجددًا إلى أعمق انكماش في السلسلة مع اندلاع أزمة هرمز. في المقابل، حافظت الأنشطة غير النفطية على وتيرة نمو مستقرة نسبيًا فوق 4.5% لمعظم الفترة، إلا أن مسارها التنازلي المتسارع خلال الربعين الأول والثاني من 2026 يستحق المتابعة الدقيقة.

ساهمت الأنشطة النفطية سلبًا بمقدار 5.4 نقطة مئوية في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، في حين أضافت الأنشطة غير النفطية وصافي الضرائب على المنتجات مساهمة إيجابية طفيفة بلغت 0.4 و0.1 نقطة مئوية على التوالي، وأسهمت الأنشطة الحكومية بمقدار 0.1 نقطة مئوية إضافية. عمليًا، هذا يعني أن قطاعي غير النفط والحكومة عوّضا أقل من 11% من حجم الصدمة النفطية، وهو ما يفسر انتقال الناتج الكلي إلى المنطقة السلبية رغم استمرار بقية الاقتصاد في النمو الاسمي.
رابعًا: القراءة الفصلية المعدّلة موسميًا إشارات تحذيرية إضافية
على أساس ربعي معدّل موسميًا، انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.9% مقارنة بالربع الأول 2026، بعد أن كان قد انكمش بالفعل بنسبة 1.2% في الربع السابق أي ربعين متتاليين من الانكماش. والأهم أن الأنشطة غير النفطية، التي لم تسجل قراءة سلبية واحدة طوال السلسلة الممتدة من مطلع 2024، انكمشت بنسبة 0.5% خلال الربع الثاني 2026، في مؤشر مبكر على أن آثار الأزمة النفطية (ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، وتباطؤ الإنفاق الحكومي المرتبط بإيرادات النفط، وتراجع الثقة) بدأت تنتقل إلى بقية القطاعات.

تُظهر مساهمات النمو الفصلي (معدّل موسميًا) أن الأنشطة النفطية خصمت 4.5 نقطة مئوية من نمو الناتج الإجمالي، بينما خصمت الأنشطة غير النفطية 0.3 نقطة مئوية إضافية وهي أول مساهمة سلبية للقطاع غير النفطي في السلسلة بأكملها. ولم تسجل الأنشطة الحكومية سوى مساهمة إيجابية هامشية بلغت 0.03 نقطة مئوية فقط، ما يعكس على الأرجح تباطؤًا في وتيرة الإنفاق الحكومي مع تراجع الإيرادات النفطية.
خامسًا: الجدول التفصيلي.. أحدث أربعة أرباع
سادسًا: الدلالات والانعكاسات
- الضغط على الإيرادات العامة والميزانية: مع تراجع حجم الإنتاج النفطي بهذا الحجم، تواجه إيرادات الدولة النفطية ضغطًا مزدوجًا (حجم + احتمال تقلب الأسعار)، ما يزيد احتمالية اتساع عجز الموازنة العامة لعام 2026 ويضع اختبارًا لخطط الإنفاق الرأسمالي المرتبطة برؤية 2030.
- مؤشر مبكر على انتقال الأثر إلى القطاع غير النفطي: الانكماش الفصلي الأول للأنشطة غير النفطية منذ بداية السلسلة يستدعي مراقبة دقيقة لمؤشرات الثقة والإنفاق الاستهلاكي ومديري المشتريات (PMI) في الأشهر المقبلة، لتحديد ما إذا كان التباطؤ عابرًا أم بداية اتجاه أعمق.
- اختبار لصمود التنويع الاقتصادي: رغم أن حصة الأنشطة غير النفطية من الناتج تجاوزت 50% في السنوات الأخيرة، فإن اعتماد الناتج الكلي على استقرار تدفقات النفط لا يزال مرتفعًا بما يكفي لقلب الاقتصاد بأكمله إلى انكماش خلال ربع واحد فقط.
- مسار التعافي مرهون بمآل أزمة هرمز: أي انفراج في الأزمة الجيوسياسية وعودة تدفقات التصدير عبر المضيق من شأنه أن يُحدث ارتدادًا حادًا (Base Effect) في نمو الأنشطة النفطية خلال الأرباع المقبلة، على غرار ما حدث بعد خفض الإنتاج الطوعي في 2024، إلا أن استمرار التوترات يحمل مخاطر تمديد الانكماش لربع ثالث متتالي.
- فجوة بين النمو الاسمي والحقيقي: نظرًا لأن ارتفاع أسعار النفط خلال الأزمة (تجاوز 100 دولار للبرميل في بعض الفترات) لم يقابله حجم إنتاج مماثل، فإن الناتج الاسمي بالأسعار الجارية قد يُظهر صورة مختلفة جزئيًا عن الناتج الحقيقي، ما يستدعي متابعة بيانات الناتج الاسمي والحساب الجاري عند صدورها.
سابعًا: نقاط المتابعة للربع الثالث 2026
- تطورات مضيق هرمز وحجم استئناف الشحنات النفطية السعودية عبر المضيق مقابل مسار البحر الأحمر البديل.
- قرارات أوبك+ القادمة بشأن حصص الإنتاج ومدى تعويض الحصة السعودية للإنتاج المفقود.
- مؤشرات الثقة الاقتصادية ومديري المشتريات (PMI) للقطاع غير النفطي كمقياس مبكر لعمق التباطؤ.
- بيانات الموازنة العامة وأي تعديلات على خطط الإنفاق الحكومي والمشاريع الكبرى في ضوء تراجع الإيرادات النفطية.
- التقديرات التفصيلية (غير السريعة) للناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني 2026 عند صدورها من الهيئة العامة للإحصاء، لتأكيد أو تعديل هذه القراءة الأولية.
خاص_الفابيتا