يتساءل كثير من المستثمرين عن التغيّر الواضح في سلوك التداول داخل السوق السعودي؛ فلم تعد المحفزات الإيجابية تنعكس على أسعار الأوراق المالية كما كان متوقعًا، وأصبحت بعض الأسهم تتراجع رغم النتائج الجيدة والأخبار الإيجابية، بينما يواجه المستثمرون صعوبة في تفسير التحركات السريعة والمتناقضة للأسعار.
أحد التفسيرات المحتملة لهذا التغيّر هو اتساع استخدام خوارزميات التداول، فلم يعد المستثمر الفرد يواجه مستثمرين ومحافظ تقليدية فقط، بل أصبح يتعامل مع أنظمة آلية تراقب الأسعار والسيولة وكميات الأوامر ونقاط الدعم والمقاومة، ثم تتخذ قرارات البيع والشراء خلال أجزاء من الثانية.
في (تاسي) قد يظهر تأثير هذه الخوارزميات بصورة أكبر عند انخفاض السيولة، أو كسر مستويات فنية مهمة، أو صدور أخبار مفاجئة؛ حيث تتحرك أنظمة عديدة في الاتجاه نفسه، فتتسارع موجات البيع أو الشراء، وتتضخم الحركة السعرية بصورة قد تتجاوز تأثير الخبر أو المحفز الأساسي للشركة.
الخوارزميات لا تصنع اتجاه السوق دائمًا، لكنها قد تسرّعه وتزيد حدته، لذلك نشاهد أحيانًا تراجع بعض الأسهم دون وجود أخبار سلبية جوهرية، ثم ارتدادها سريعًا بعد انتهاء موجة الأوامر الآلية. كما قد تعلن شركة نتائج مالية جيدة، لكن السهم لا يستجيب أو يتراجع، لأن حركة السعر أصبحت مرتبطة بعوامل أخرى، من بينها السيولة وتوزيع الأوامر والمؤشرات الفنية واستراتيجيات التداول الآلي.
ويزداد تأثير هذه الأنظمة في الأسهم منخفضة السيولة، إذ يمكن لأوامر البيع الآلية أن تضغط على السعر بسرعة، وتدفع المستثمر الفرد إلى البيع تحت تأثير الخوف، قبل أن يعود السهم إلى الارتفاع بعد توقف موجة البيع.
المستثمر الفرد لا يستطيع منافسة الخوارزميات في سرعة التنفيذ، لكنه يستطيع التفوق عليها من خلال قراءة النتائج المالية، وتقييم الشركات، واختيار السعر المناسب، وعدم اتخاذ قراراته تحت ضغط التحركات اللحظية. فالخوارزمية تتفاعل مع السعر، بينما المستثمر الواعي يبحث عن القيمة.
ومن يملك الإجابة الدقيقة عن حجم تأثير الخوارزميات في (تاسي) هي الجهات التي تدير السوق وتشرف عليه، ولذلك من المهم أن تفصح عن حجم التداولات المنفذة بواسطة الخوارزميات ونسبتها من إجمالي التداولات، وأن توضح أثرها في السيولة والتذبذب وكفاءة التسعير. كما ينبغي إدراج هذه البيانات ضمن النشرات الشهرية للسوق، حتى يتمكن المستثمرون والمحللون من فهم التحولات التي طرأت على سلوك التداول، بدل أن يبقى أحد أكثر العوامل تأثيرًا في السوق بعيدًا عن الإفصاح والقياس.
نقلا عن الرياض

