من حافة الفشل إلى الريادة (3)

21/07/2026 0
راضي الحداد

كيف أنقذ التواضع مايكروسوفت من الغرور؟

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ — سورة يوسف: 76

تختصر هذه الآية الكريمة واحدة من أعظم الحقائق في القيادة والإدارة؛ فمهما بلغ الإنسان أو المؤسسة من العلم والنجاح، يبقى هناك دائمًا ما يمكن تعلمه. وعندما يغيب هذا الإدراك، يبدأ الغرور في التسلل، ويتحول النجاح من نعمة إلى بداية للانحدار.

ولخّص جيم كولينز هذه الفكرة في كتابه How the Mighty Fall حين قال إن الشركات العظيمة لا تبدأ رحلة السقوط عندما تنخفض أرباحها، بل حين تعتقد أن نجاح الأمس كافٍ لضمان نجاح الغد.

في مقالي السابق تحدثت عن أن الاستراتيجية تحمي النجاح، ثم أوضحت أن الحوكمة تحمي الاستراتيجية. لكن يبقى سؤال أكثر أهمية: من يحمي الحوكمة والاستراتيجية معًا؟

الإجابة ليست في اللوائح أو الهياكل التنظيمية أو التقنيات الحديثة، بل في شيء أكثر تأثيرًا وأقل وضوحًا.. الثقافة القيادية.

فقد تمتلك الشركة أفضل استراتيجية، وأقوى مجلس إدارة، وأعلى الكفاءات، لكنها قد تفشل إذا سيطر عليها الغرور، وغابت عنها ثقافة التعلم والتعاون.

ولعل قصة مايكروسوفت تُعد واحدة من أفضل النماذج المعاصرة التي تثبت هذه الحقيقة.

قبل أكثر من عقد من الزمن، لم تكن مايكروسوفت شركة خاسرة، بل كانت تحقق إيرادات تجاوزت 86 مليار دولار سنويًا، وتمتلك منتجات يستخدمها مئات الملايين حول العالم. ومع ذلك، بدأت تفقد بريقها تدريجيًا، بينما كانت شركات مثل Apple وGoogle وAmazon تقود موجة جديدة من الابتكار.

وفي فبراير 2014، تولى ساتيا ناديلا منصب الرئيس التنفيذي، وكانت القيمة السوقية للشركة تقارب 300 مليار دولار. وبعد أقل من عشر سنوات، تجاوزت قيمتها السوقية 3 تريليونات دولار، لتصبح واحدة من أكثر الشركات قيمة في العالم، في تحول يُعد من أبرز قصص النجاح في تاريخ الأعمال.

قد يعتقد البعض أن هذا الإنجاز جاء نتيجة منتج ثوري أو استحواذ ضخم، لكن دراسة حالة أعدتها Harvard Business School تكشف أن نقطة التحول الحقيقية لم تبدأ بالتقنية، بل بالإنسان.

فالمشكلة لم تكن في نقص المواهب، بل في الثقافة التنظيمية.

كانت مايكروسوفت تضم أفضل المهندسين والمبرمجين في العالم، لكن كل فريق كان يسعى لإثبات أنه الأكثر ذكاءً، وأصبحت المنافسة داخل الشركة أشد من المنافسة مع السوق. ومع مرور الوقت، تحول الذكاء الفردي إلى عائق أمام النجاح الجماعي.

لقد كانت المؤسسة تعيش ما يمكن وصفه بثقافة "أنا أعرف كل شيء".

وهنا يبرز ما حذر منه جيم كولينز؛ فالغرور هو أول مراحل السقوط. فعندما تعتقد المؤسسة أنها وصلت إلى القمة، تتوقف عن التسلق، وعندما تتوقف عن التعلم، تبدأ في التراجع، حتى وإن كانت أرباحها لا تزال مرتفعة.

أدرك ساتيا ناديلا أن المشكلة لم تكن في المنتجات، بل في طريقة التفكير. لذلك لم يبدأ بإعادة الهيكلة أو بخفض التكاليف، بل بدأ بتغيير الثقافة.

استبدل ثقافة Know-It-All أي "أنا أعرف كل شيء"، بثقافة Learn-It-All أي "أنا مستعد أن أتعلم".

قد تبدو مجرد عبارة، لكنها كانت نقطة التحول في تاريخ الشركة.

ففي الثقافة الأولى، يحاول الجميع إثبات أنهم الأذكى. أما في الثانية، فيسعى الجميع إلى أن يصبحوا أفضل من خلال التعلم من بعضهم البعض.

ولم يعد الاعتراف بعدم المعرفة ضعفًا، بل أصبح بداية للمعرفة. ولم يعد الخطأ نهاية الطريق، بل فرصة للتطوير. ولم يعد التعاون قيمة أخلاقية فحسب، بل أصبح ميزة تنافسية.

وتوضح دراسة هارفارد أن ناديلا أعاد تعريف القيادة داخل مايكروسوفت، فلم يعد القائد يُقاس بقدرته على امتلاك جميع الإجابات، وإنما بقدرته على بناء بيئة يتعلم فيها الجميع، ويتعاون فيها الجميع، ويشعر فيها الجميع بالأمان لطرح الأفكار والأسئلة. لقد استلهم ناديلا أفكار كارول دويك حول عقلية النمو Growth Mindset وربطها بثقافة المؤسسة، فأصبحت القدرة على التعلم أساسًا في اختيار القائد، وأصبح الفضول والتجربة والتعاون والتعلم المستمر عناصر أساسية في القيادة.

ثم انعكس هذا التحول الثقافي على القرارات الاستراتيجية، فانفتحت مايكروسوفت على البرمجيات مفتوحة المصدر بعد سنوات من الانغلاق، واستحوذت على GitHub، وضاعفت استثماراتها في الحوسبة السحابية من خلال Azure، ثم أصبحت من أوائل الشركات التي قادت ثورة الذكاء الاصطناعي عبر شراكتها مع OpenAI ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في منتجاتها.

لكن هذه القرارات لم تكن سبب النجاح، بل كانت نتيجة لثقافة جديدة تؤمن بأن التعلم أهم من إثبات التفوق.

ومن خلال عملي في شركة راضي للاستشارات، وجدت أن ما حدث في مايكروسوفت يتكرر في كثير من الشركات العائلية والمؤسسات الناجحة.

فالمشكلة غالبًا لا تبدأ عندما تتراجع المبيعات أو تقل الأرباح، بل تبدأ عندما تتحول الاجتماعات إلى ساحات لإثبات من هو الأذكى، وعندما يصبح الدفاع عن الرأي أهم من الوصول إلى القرار الصحيح، وعندما يختفي سؤال "ماذا يمكن أن نتعلم؟" ليحل محله سؤال "من المخطئ؟".

وهذا بالضبط ما حدث في إحدى الشركات التعليمية؛ فعندما وظّفنا بعض الكفاءات المتميزة في مراكز قيادية، بدأ التنازع على الصلاحيات بدل التركيز على إنجاز الأهداف، واستُنزف جزء كبير من وقت الإدارة في حل الخلافات بدلًا من التركيز على تحقيق النتائج.

قاعدة شركة راضي للاستشارات

كلما ارتفع مستوى الذكاء داخل المؤسسة، ازدادت حاجتها إلى التواضع. فالنجاح لا يصنعه الأذكياء، بل تصنعه المؤسسات التي تجعل الأذكياء يتعلمون من بعضهم البعض.

إن أعظم ما قدّمه ساتيا ناديلا لمايكروسوفت لم يكن منتجًا جديدًا، ولا تقنية مبتكرة، بل أعاد إليها فضيلة التعلم.

فالاستراتيجية ترسم الطريق.

والحوكمة تحمي الاستراتيجية.

أما الثقافة.. فهي التي تحميهما معًا.

ولهذا لم تكن رحلة مايكروسوفت انتقالًا من حافة الفشل إلى الريادة فحسب، بل كانت انتقالًا من ثقافة الغرور إلى ثقافة التواضع، ومن الصراع بين الأذكياء إلى التعاون بين الخبراء، ومن الاعتقاد بأننا نعرف كل شيء إلى الإيمان بأن التعلم لا يتوقف أبدًا.

وهذا هو الدرس الذي تحتاجه المؤسسات اليوم أكثر من أي وقت مضى.

ففي عالم يتغير كل يوم، لن يكون البقاء للأذكى.. بل للأكثر قدرة على التعلم.

سؤال للتأمل: هل تعيش مؤسستك اليوم ثقافة "أنا أعرف كل شيء"، أم ثقافة "أنا مستعد أن أتعلم"؟

 

خاص_الفابيتا