الإفلاس في العالم والقضايا الأربعة

14/07/2026 0
د. محمد آل عباس

نشرت لجنة الإفلاس في موقعها الإلكتروني أن إجمالي الإعلانات المنشورة في موقعها الرسمي خلال شهر يونيو 2026 بلغ (60) إعلانًا، منها (30) إعلانًا لافتتاح إجراءات الإفلاس، وبقية الإعلانات هي قرارات وإشعارات تصدر خلال مراحل مختلفة من سير الإجراءات، فنظام الإفلاس يتضمن إجراءات مختلفة تتناسب مع اختلاف أوضاع المنشآت، فهناك التسوية الوقائية، وإعادة التنظيم المالي، والتصفية، والتصفية الإدارية، وهي كما أشار بيان اللجنة في موقعها لا تعني بالضرورة خروج المنشآت لكن تعني أحيانا طلب الحماية المؤقتة من الدائنين (التسوية الوقائية وإعادة التنظيم المالي) حتى تتمكن المنشأة القابلة للاستمرار من معالجة أوضاعها المالية ومواصلة نشاطها، انتهى البيان.

وفي هذا الشأن أود القول بأن الإفلاس في عالم الشركات طبيعي جدا، بل لا مفر منه كمعدل في أي اقتصاد، ما من اقتصاد إلا تعرضت بعض شركاته لمشكلات مالية صعبة، ومنذ القدم ونحن نقرأ عن إفلاس التاجر، لكن في العصر الحديث تم تطوير أدوات الإفلاس التي تحمي من انهيار الشركة، بل تمنح فرصة لإعادة التنظيم بحيث تتمكن الشركة من البقاء، ثم الإصلاح والعودة للعمل وسداد المستحقات.

في تقرير منشور عن إحصائيات الإفلاس في العالم، ارتفعت حالات الإفلاس العالمية إلى ذروتها خلال 12 عامًا، مسجلةً نموًا سنويًا مركّبًا بنسبة 5% خلال الفترة 2012-2024. إلا أنه بعد الجائحة، تضاعف معدل الزيادة في حالات الإفلاس، حيث بلغ معدل النمو السنوي المركّب خلال 4 سنوات (2021-2024) 10%.

يشير التقرير أيضا أنه بين عامي 2023 و2024، سُجّلت أكبر الزيادات في حالات الإفلاس في أوكرانيا (126%)، وسنغافورة (40%)، وبيلاروسيا (39%)، وأستراليا (37%)، وكندا (35%)، ورومانيا (35%)، وهولندا (30%). في المقابل، سُجّلت أكبر الانخفاضات في اليونان (-48%)، وكولومبيا (-43%)، والصين (-31%)، وروسيا (-26%). وقد تلاحظ الفرق بين حالة روسيا وحالة أوكرانيا.

وعموما في 11 اقتصادًا من أصل 47، بلغت حالات إفلاس الشركات في عام 2024 أعلى مستوياتها منذ أكثر من 5 سنوات، حيث وصلت إلى أعلى مستوى لها منذ 12 عامًا في كندا، وفرنسا، وبولندا، والسويد، والولايات المتحدة، وإلى أعلى مستوى لها منذ عقد في أستراليا، واليابان، وإسبانيا، وسويسرا. يلاحظ التقرير أيضا أنه بين عامي 2020 و2022، انخفض متوسط عدد حالات الإفلاس بنسبة 16% مقارنةً بمستويات ما قبل الجائحة (2018-2019).

وهذا أيضا طبيعي حيث ساعد الدعم الحكومي وتساهل الدائنين مع الشركات المتعثرة على بقائها فترة لكن دون معالجة المشكلات الهيكلية، لكن هذا الدعم لا يصنع الحل وليس وضعا مستدامًا، فمع تراجع الدعم السياسي بالتزامن مع ارتفاع أسعار الفائدة، عادت معدلات الإفلاس في التصاعد منذ 2023 وتسارعت بشكل أكبر في 2024، لتصل حالات إفلاس الشركات إلى أعلى مستوى لها منذ أكثر من عقد.

يؤكد التقرير العالمي أن قطاعات تجارة التجزئة والضيافة والبناء، تواجه صعوبات، نظرًا لتغيرات هيكلية في الإنفاق الاستهلاكي وارتفاع تكلفة تمويل المشاريع، وتُظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن 70% من الاقتصادات التي تتوفر عنها بيانات شهدت انخفاضاً في مبيعات التجزئة في عام 2024 مقارنة بعام 2022.

الشركات التي فشلت في دمج التجارة الإلكترونية بفاعلية تواجه صعوبات في المنافسة وجذب المستهلكين، بينما تواجه الشركات التي اعتمدت التحول الرقمي الكامل تحديات مماثلة مع فقدان المصداقية وعودة المتسوقين إلى المتاجر التقليدية، فالأمر وسط بين أمرين، يخلص التقرير إلى أن إدارة المخاطر أصبحت أولية لمن أراد البقاء.

الإفلاس ظاهره عالمية طبيعية تتفاوت بين الدول، بل وتتفاوت بين الفترات الاقتصادية في الاقتصاد الواحد، ولكن الإفلاس ليس من قضايا الاقتصاد الكلي بل من قضايا الاقتصاد الجزئي، أي أن السبب يعود دوما لطريقة استجابة الشركات نفسها ورجال الأعمال للمشكلات الهيكلية التي تواجههم في الأسواق أو في التطبيق الصحيح للفكر الإداري الذي يضع إدارة المخاطر في المقدمة.

فالمسألة ليست مجرد ريادة أعمال ومغامرات أو الفوز بدعم حكومي مؤقت، المسألة تكمن في قلب نظرية إدارة الأعمال، والمشكلات عموما تظهر في إحدى المكونات الرئيسة الأربعة للنظرية، إما في نظرية المؤسسة نفسها (Institutional Theory)، حيث تفشل المؤسسات في مرحلة التكوين أو التحول، أو في كلاهما، تفشل في تصنيف نفسها، وفي تعريف المنتجات أو السوق أو العملاء أو الموردين أو مانحي التمويل، أو في مرحلة التحول بحيث تلبس ثوب الشركات المساهمة وهي غير مستعدة لذلك، وقد تنجح الشركات في مرحلة التكوين هذه لكنها تفشل في تطبيق نظرية التنظيم (Organizational Theory) حيث تتصارع القوى التنظيمية داخل الشركة، مجلس الإدارة مع رئيس المجلس، رئيس المجلس مع الإدارة التنفيذية، الإدارة التنفيذية تدخل في صراع بين مكوناتها، صراع قوى للسيطرة على القرار ما يفقد الشركات روحها الديمقراطية التي تبقيها على قيد الحياة وتنير القرار.

تفشل الشركات أحيانا في بناء هيكل تنظيمي متوازن، أو تفشل في تطبيقه. وقد تنجح الشركات في هذا وذاك لكنها تفشل في مرحلة بناء الشركة أو نظرية الشركة (Firm Theory)، فالشركات وجدت من أجل هدف واحد هو تعظيم الربح، ولا تنجح الشركات في تعظيم الربح (أو المنفعة للقطاع العام) مالم تنجح في بناء نظام رقابة داخلية قوي وصارم يضمن تحقيق توازن بين الكفاءة والفعالية.

 فالشركات أنشئت لتخفض تكلفة استخدام الموارد البشرية، وخفض تكلفة التوزيع والإنتاج وغيرها، وذلك من خلال الموازنة بين أمرين إما من خلال التعاقد الداخلي أو الخارجي، فبدلا من التعاقد مع شركة للنقل يمكن تطوير قسم النقل في الشركة لكن هذا يعتمد على الكفاءة والفاعلية، وتنشأ عن الفشل في تطبيق نظرية الشركة فشل آخر وهو مشكلة الوكالة (Agency Problem)، فالتعاقد الفاشل تسبب في تعارض المصالح وفي تعظيم منافع الآخرين وليس الشركة، الشركات والمؤسسات عموما (عامة وخاصة) تفشل وتفلس بسبب فشلها في تطبيق إحدى هذه القضايا الأربعة.

قد تصمد المغامرات فترة، قد يصل الدعم في الوقت المناسب، قد تحظى ببعض الثقة من العائلة، لكن في الأخير لن تصمد كثيرا، ولذا قلت في مقال سابق، وأكررها اليوم، لا تدعموا المبادرين، لكن يجب مساعدتهم على حل المشكلات التي تظهر بسبب هذه القضايا الأربعة، نظرية الدعم للدعم من أجل تحسين الأرقام نظرية غير صحيحة، سوف تظهر المشكلات في أرقام أخرى بكل تأكيد، الاقتصاد لا يجامل أحدا.

 

نقلا عن الاقتصادية