من حافة الفشل إلى الريادة (2)

13/07/2026 1
راضي الحداد

الانضباط المالي يبدأ من الثقافة.. الدرس الذي تعلمناه من Ford

قال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع):

“لا ظهير كالمشاورة. “

نهج البلاغة – الحكم.

لم تكن هذه الحكمة دعوة إلى التشاور فحسب، بل دعوة إلى بيئة تسمح بظهور الحقيقة. فلا قيمة للمشاورة إذا كان الناس يخشون قول الحقيقة، ولا قيمة للتقارير إذا كانت تُجمّل الواقع بدلاً من أن تكشفه، وهذا بالضبط ما يميز المؤسسات الناجحة عن غيرها.

فالانضباط المالي لا يبدأ عند إعداد الموازنة، ولا عند مراجعة القوائم المالية، بل يبدأ عندما تصبح الشفافية ثقافة مؤسسية، ويشعر المدير بأن الاعتراف بالمشكلة هو بداية الحل، لا بداية الاتهام.

عندما كانت  Ford تخسر.. لكن الجميع يعتقد أن الأمور بخير

في عام 2006 كانت شركة Ford Motor Company تمر بواحدة من أصعب الأزمات في تاريخها الممتد لأكثر من مائة عام، مسجلة خسارة صافية بلغت 12.6 مليار دولار، وهي الأكبر في تاريخ الشركة آنذاك، رغم أن إيراداتها تجاوزت 160 مليار دولار، كانت هذه الأرقام تؤكد أن حجم الأعمال وحده لا يكفي إذا غاب الانضباط في إدارة الموارد.

لكن ما شد انتباهي أثناء اطلاعي على دراسة الحالة التي أعدتها Harvard Business School أن الأزمة لم تبدأ مع Alan Mulally، كما أن محاولات الإنقاذ لم تبدأ معه، فقد تعاقب على قيادة Ford ثلاثة رؤساء تنفيذيين خلال سنوات الأزمة.

قاد  Jac Nasser شركة فورد في مرحلة اتسمت بالتوسع السريع والاستحواذات، إلا أن هذا النهج أدى إلى زيادة التعقيد التشغيلي وارتفاع الضغوط على الأداء. كما اتسمت شخصيته بالصرامة وعدم التسامح مع الآراء المعارضة، واعتمد أسلوبًا   معقدا في  تقييم الأداء، مما انعكس سلبًا على الروح المعنوية داخل الشركة. وقد أدى ذلك إلى استقالة عدد من المديرين والموظفين الأكفاء، وتراجع جودة المنتجات، واهتزاز سمعة فورد، لا سيما في مجال السلامة والجودة. وعندما تولى Bill  Ford Jr.  قيادة الشركة، أدرك حجم الأزمة، فبدأ برنامجًا لإعادة الهيكلة وخفض التكاليف، لكنه خلص إلى أن التحديات التي تواجه فورد تتطلب نمطًا مختلفًا من القيادة التنفيذية. ومن هنا اتخذ قرارًا جريئًا بتعيين Alan Mulally رئيسًا تنفيذيًا للشركة عام 2006، إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من التحول وإعادة بناء فورد.. وهنا يكمن الدرس الحقيقي.

فلم يكن Mulally أول من حاول إنقاذ الشركة، لكنه كان أول من أدرك أن المشكلة ليست في الاستراتيجية وحدها، بل في الثقافة التي تُنفَّذ من خلالها الاستراتيجية.

الدقيقة التي غيّرت Ford

في الأسابيع الأولى من اجتماعات مراجعة الأداء، كان جميع المديرين يعرضون مؤشراتهم باللون الأخضر، وكأن كل شيء يسير وفق الخطة، لكن الحقيقة كانت مختلفة، فالشركة كانت تخسر مليارات الدولارات.

أدرك Mulally أن اللون الأخضر لم يكن يعكس الأداء، بل كان يعكس الخوف. كان المديرون يتجنبون الاعتراف بالمشكلات خشية أن يُنظر إليهم على أنهم سبب الفشل.

وبعد عدة اجتماعات، قرر Mark Fields أن يعرض لأول مرة مؤشرًا باللون الأحمر، معلنًا أن إطلاق سيارة Ford Edge سيتأخر عن موعده. ساد الصمت في القاعة.

كان الجميع ينتظر أن يوبخه الرئيس التنفيذي.  لكن ما حدث غيّر ثقافة الشركة بأكملها.

ابتسم Alan Mulally، وصفق له، ثم قال:  شكراً على صراحتك.. من يستطيع مساعدة مارك؟”

وفي دقائق، بدأ التنفيذيون في تقديم الحلول، وتحول الاجتماع من منصة للدفاع عن النفس إلى ورشة عمل لحل المشكلات.

في تلك اللحظة، لم تتغير حالة مشروع واحد فقط.. بل تغيرت ثقافة Ford بأكملها.

لقد أصبحت الشفافية قيمة، وأصبح الاعتراف بالمشكلة بداية الحل، لا سببًا للعقاب.

عندما تتغير الثقافة.. تتغير الأرقام

بعد أن أصبحت الشفافية جزءًا من ثقافة Ford، تحسنت جودة القرارات، وأصبح الإنفاق أكثر انضباطًا، وتوجهت الموارد إلى المنتجات والاستثمارات ذات الأولوية، وبحلول عام 2010، تحولت الشركة من خسارة بلغت 12.6 مليار دولار في عام 2006 إلى صافي ربح قدره 6.6 مليار دولار، رغم أن الإيرادات كانت أقل من مستوياتها قبل الأزمة، وهذا يؤكد أن النجاح لم يكن نتيجة بيع سيارات أكثر، بل نتيجة تحسين جودة الإدارة، والانضباط المالي، وحسن تخصيص الموارد.

الموازنة ليست وثيقة مالية.. بل أداة قيادة

من الأخطاء الشائعة أن تُعامل الموازنة على أنها وثيقة تُعد في بداية العام ثم تُحفظ في الأدراج.

أما في المؤسسات الناجحة، فهي لوحة قيادة يعتمد عليها الرئيس التنفيذي ومجلس الإدارة في متابعة الأداء واتخاذ القرار، فالانحرافات الصغيرة، إذا كُشفت وعولجت مبكرًا، لا تتحول إلى أزمات. أما تجاهلها، فيجعل الإدارة تكتشف المشكلة بعد أن تكون قد استنزفت الوقت والموارد.

ولهذا فإن أفضل الموازنات ليست الأكثر تفصيلاً، بل الأكثر التزامًا.

فالهدف من الموازنة ليس توقع المستقبل بدقة، وإنما توفير إطار واضح لتخصيص الموارد، وقياس الأداء، وتصحيح المسار كلما ظهرت انحرافات.

من واقع التجربة

خلال عملي في تقديم الاستشارات المالية والإدارية، وجدت أن كثيرًا من الشركات تتميز في إعداد الخطط والموازنات، لكنها تتعثر في تنفيذها.

أتذكر مشروعًا مع شركة تعمل في مجال التطوير العقاري، كان فريقها يتمتع بكفاءة عالية في إعداد الموازنة، و لكن المشكلة لم تكن في جودة الموازنة، بل في المتابعة الدورية.

كانت الاجتماعات الشهرية تعقد بانتظام، وتُعرض فيها عشرات الجداول والإحصاءات، إلا أن معظم الوقت كان يُستهلك في وصف المشكلة وتحليلها، بينما يحظى الحديث عن الحلول العملية بنصيب أقل.

وكانت المشكلات نفسها تتكرر من اجتماع إلى آخر، لأن النقاش كان يدور حول تفسير الأرقام أكثر من التركيز على إزالة المعوقات واتخاذ قرارات واضحة مع تحمل المسؤولية.

وأدركت أن كثرة البيانات ليست دائمًا ميزة؛ فقد تتحول إلى ستار يحجب المشكلة الأساسية، عندما يصبح الهدف من التحليل إظهار العمق الفني أو القدرة المعرفية، بدلاً من الوصول إلى حل عملي بسيط وقابل للتنفيذ.

وتكررت لدي تجربة مشابهة في إحدى شركات القطاع الصحي، حيث كان الرئيس التنفيذي يتمتع برؤية طموحة ويعتقد أن ذكاءه يغني عن الإنصات إلى الآراء المختلفة،  كان يميل إلى رسم صورة مثالية للمستقبل دون أن يصاحبها برنامج تنفيذي واضح، أو أولويات محددة، أو آليات دقيقة للمتابعة والمساءلة.

لقد كانت الاستراتيجية طموحة، لكن التنفيذ كان غائبًا.

ومن هنا ترسخت لدي قناعة بأن الاستراتيجية الناجحة ليست الأكثر تعقيدًا، بل الأكثر وضوحًا وقابليةً للتنفيذ والمتابعة.

فليس المطلوب أن يكون الرئيس التنفيذي أذكى شخص في غرفة الاجتماعات، بل أن يبني فريقًا قادرًا على طرح المشكلات بشفافية، وتجزئتها إلى تحديات قابلة للحل، وتحويل الاجتماعات من استعراض للإحصاءات إلى منصة لاتخاذ القرار.

ماذا نتعلم كشركات عائلية؟

كثير من الشركات العائلية تضع استراتيجيات طموحة ولنقل حالمة، وتُعد موازنات جيدة، لكنها لا تحقق النتائج المرجوة لأنها لا تتابع التنفيذ بالقدر نفسه من الجدية ربما لافتقارها للمهارات الإدارية واعتمادها على الخبرات التشغيلية 

إن وضوح الاستراتيجية، والانضباط في تنفيذ الموازنة، والمتابعة الدورية، وتصنيف التكاليف بصورة صحيحة، ومناقشة الانحرافات بشفافية، هي العناصر التي تمنح الإدارة القدرة على التدخل المبكر قبل أن تتحول المشكلات الصغيرة إلى أزمات مالية.

فالنجاح لا يتحقق بكثرة الاجتماعات، ولا بكثرة التقارير، وإنما بقدرة الإدارة على تحويل البيانات إلى قرارات، والقرارات إلى نتائج.

قاعدة شركة راضي للاستشارات

الأنظمة المالية لا تصنع الانضباط، بل الثقافة المؤسسية هي التي تجعل الأنظمة تُحترم. وكلما كانت الاستراتيجية أوضح، والموازنة أكثر انضباطًا، والمتابعة أكثر انتظامًا، والمشكلات تُناقش بشفافية، ازدادت قدرة الشركة على التنفيذ، وارتفعت احتمالات نجاحها.

الخلاصة

لم تبدأ رحلة تعافي Ford عندما تحولت الخسائر إلى أرباح، بل بدأت في اليوم الذي أصبح فيه اللون الأحمر مقبولًا في اجتماع الإدارة، ففي تلك اللحظة، انتصرت الحقيقة على الخوف، والتعاون على تبادل الاتهامات، والتنفيذ على كثرة الخطط.

لقد أثبتت Ford أن الشركات لا تنهض لأنها تمتلك أفضل الاستراتيجيات، وإنما لأنها تمتلك ثقافة تسمح بتنفيذ تلك الاستراتيجيات بانضباط وشفافية.

وهذا هو الدرس الذي تحتاجه اليوم كثير من الشركات العائلية؛ فليست المشكلة في نقص الأفكار، ولا في ضعف الموازنات، وإنما في القدرة على تنفيذها، ومتابعتها، وتصحيح مسارها باستمرار.

 

خاص_الفابيتا