نميل عادةً إلى قياس الثروة بما يملكه الإنسان من أصول مالية أو عقارية أو استثمارات، لكنني أعتقد أن هناك أصلًا لا يظهر في القوائم المالية، ومع ذلك قد تكون قيمته أعلى من كثير من الأصول الملموسة، وهو الكلمة. فالكلمة لا تُسجل في الميزانية، لكنها قد ترفع قيمة شخص أو مؤسسة، وقد تخفضها في لحظات.
الاقتصاد لم يعد يعتمد على رأس المال والمنتج فقط، بل أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على الثقة. والثقة لا تُشترى، وإنما تُبنى بالتراكم، وقد تهتز بسبب تصريح متسرع أو عبارة غير محسوبة. لذلك أصبحت الكلمة اليوم جزءًا من إدارة السمعة، وإدارة السمعة جزءًا من القيمة الاقتصادية.
في عالم الشركات، قد يكون الإعلان عن نتائج مالية أقل من التوقعات أمرًا يمكن للمستثمر استيعابه إذا كان الخطاب واضحًا وصريحًا. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الرسائل متناقضة أو غير دقيقة. هنا لا يخسر المستثمر ثقته في الأرقام فحسب، بل يخسر ثقته في الإدارة نفسها. ومن وجهة نظري، فإن الأسواق تستطيع أن تتسامح مع الأداء الضعيف لفترة، لكنها نادرًا ما تتسامح مع فقدان المصداقية.
ولا يقتصر الأمر على الشركات. فحتى في بيئة العمل، لذا أعتقد أن الكلمة أصبحت أحد أهم عناصر الإنتاج. مدير يجيد التقدير والتحفيز قد يحقق نتائج لا تستطيع الحوافز المالية وحدها تحقيقها، بينما مدير يعتاد التقليل من جهود فريقه قد يخسر الكفاءات بصمت. فالإنسان لا يعمل من أجل الراتب فقط، بل يعمل أيضًا من أجل الشعور بقيمته.
ومن الجانب الاقتصادي، أصبحت السمعة أصلًا حقيقيًا له قيمة سوقية. كثير من العلامات التجارية لا تستمد قوتها من مصانعها أو أصولها، وإنما من ثقة العملاء بها. وهذه الثقة تُبنى عبر سنوات، لكنها قد تتراجع بسبب رسالة سيئة، أو تصريح غير مسؤول، أو تعامل لا ينسجم مع القيم التي تعلنها الشركة.
أعتقد أن الإنسان الناجح ليس من يتحدث كثيرًا، وإنما من يدرك أن لكل كلمة أثرًا، ولكل أثر تكلفة أو عائد. فالكلمة الطيبة قد تفتح بابًا لفرصة، وتبني شراكة، وتعزز ولاء موظف، وتصلح علاقة. وفي المقابل، قد تغلق كلمة واحدة أبوابًا احتاج صاحبها سنوات ليفتحها.
في النهاية، قد لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من الكلام، لكننا نستطيع أن ندرك أن الكلمات، تمامًا مثل القرارات المالية، لها تكلفة وفرصة وعائد. وربما لهذا السبب أرى أن من أعظم الاستثمارات التي يمكن أن يقوم بها الإنسان هو أن يتعلم متى يتحدث، وكيف يتحدث، ومتى يختار الصمت. ففي كثير من الأحيان، تكون الكلمة أغلى من المال، لأن المال يمكن تعويضه، أما الثقة إذا فُقدت، فإن استعادتها قد تستغرق سنوات.
نقلا عن الرياض


