لم تعد كأس العالم بطولة تقام على الملاعب فقط، بل اختبار اقتصادي واسع لقدرة الدولة على تحويل حدث عابر إلى أصل دائم. فمنذ نسختها الأولى في أوروجواي عام 1930، انتقلت البطولة من فكرة رياضية إلى منصة تقيس البنية التحتية، والجاهزية المؤسسية، والقدرة على استقبال العالم، والأهم بعد ذلك ما يتبقى للاقتصاد بعد مغادرة الجماهير؟
في المقارنة بين قطر 2022 وأمريكا 2026 تظهر مدرستان مختلفتان. قطر بنت كثيراً من جاهزيتها حول البطولة؛ الملاعب كانت جزءاً محدوداً من الإنفاق، بينما ذهب الجزء الأكبر إلى المترو، والمطار، والطرق، والفنادق، والبنية الحضرية. لكن الأثر الاقتصادي الفعلي، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، كان أقل من حجم الإنفاق بمقارنة الأرقام لا الأثر الدائم، فالمساهمة القريبة الأجل من إنفاق الزوار وحقوق البث بلغت حتى 1% من الناتج المحلي، بينما راوحت القيمة المضافة المباشرة بين 1.6 و2.4 مليار دولار، أي 0.7% إلى 1%من ناتج قطر في 2022. لذلك لا تقاس تجربة قطر بالربح المالي المباشر فقط، بل بكونها سرّعت مشروع بنية وطنية كان مطلوباً لما بعد البطولة.
أما أمريكا وكندا والمكسيك 2026 فتقدم النموذج المعاكس: جاهزية مسبقة لا إنفاق تأسيسي. تقديرات فيفا ومنظمة التجارة العالمية تشير إلى حضور 6.5 مليون مشجع، وأثر قد يصل إلى 40.9 مليار دولار في الناتج المحلي العالمي، مع 824 ألف وظيفة بدوام كامل مكافئ. لكن حين ننسب هذا الرقم إلى حجم اقتصادات الدول المضيفة، التي يتجاوز ناتجها المجمع 32.8 تريليون دولار وفق بيانات 2024، فإن الأثر يعادل نحو 0.12% . وحتى في الولايات المتحدة وحدها، حيث يقدر الأثر على الناتج بـ17.2 مليار دولار، فإنه لا يتجاوز 0.1% من الناتج الأمريكي. هنا تظهر كفاءة النموذج الأمريكي: أثر صغير كنسبة من اقتصاد ضخم، لكنه عال قياسا إلى الإنفاق الرأسمالي الإضافي.
ومن هنا تأتي السعودية 2034 كنموذج ثالث. فهي ليست قطر تبني مدينة حول بطولة، ولا أمريكا تمتلك بنية رياضية جاهزة بالكامل، بل اقتصاد كبير في منتصف برنامج تحولي. الخطة السعودية تقترح 15 ملعباً في 5 مدن، وتقديرات السوق تشير إلى استقبال 5.1 إلى 7.5 مليون زائر، بإنفاق يراوح بين 26 و39 مليار ريال خلال البطولة. وبالقياس إلى الناتج السعودي الاسمي في 2024 البالغ 4.7 تريليون ريال، فإن إنفاق الزوار وحده يعادل 0.55 إلى 0.83% من الناتج. وإذا أضيفت مضاعفات البناء، والضيافة، والنقل، والتجزئة، فقد يقترب الأثر الكلي من نطاق قطر كنسبة من الناتج، أي حول 1%، مع فارق جوهري: أن السعودية تراهن على استمرار الاستخدام بعد الكأس كون البطولة مرحلة في خطة أكبر.
لذلك، لا ينبغي أن يكون سؤال 2034: كم ستنفق السعودية؟ بل: كم من هذا الإنفاق كان سيحدث أصلاً ضمن رؤية 2030، وكم منه سيتحول إلى طاقة إنتاجية دائمة؟ فإذا كانت قطر استخدمت كأس العالم لتسريع بناء الدولة الحديثة، وأمريكا تستخدمه لتعظيم اقتصاد جاهز، فإن السعودية أمام فرصة أن تستخدمه كموعد تسليم لرؤية اقتصادية أوسع. وحينها لن يكون العائد في شهر البطولة فقط، بل في كل مطار وفندق وملعب وطريق يبقى يعمل بعد الصافرة الأخيرة لمصلحة قطاعات أخرى كثيرة تستفيد من الاستضافة وتكبر بعناصر الخطة الكبرى للسعودية كدولة سياحية، ترعى الأحداث والفعاليات الكبرى وتفتح أبوابها للعالم، فالبنية التحتية للبطولة هي استكمال لأعمال وخطط قائمة ولا تقع البطولة في محورها.
نقلا عن الاقتصادية


