اندلعت الأزمة في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، لكن ما لم يحدث كان أكثر أهمية مما حدث. فمع تصاعد التوترات في محيط مضيق هرمز ارتفعت أسعار النفط سريعًا، ثم عادت للتراجع، بينما استمرت التدفقات التجارية وحركة الطاقة دون الانقطاع الذي كانت الأسواق تخشاه. هنا يظهر السؤال الأهم: هل تراجعت المخاطر الاقتصادية، أم أن العالم أصبح يقرأها بطريقة مختلفة؟
يمر عبر مضيق هرمز نحو خمس استهلاك العالم من النفط وحصة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. ولعقود طويلة كان أي تهديد لهذا الممر كفيلًا بإحداث صدمة ممتدة في أسواق الطاقة والشحن. لكن رد فعل الأسواق هذه المرة كان مختلفًا. فلم يكن التركيز على حجم الإمدادات التي قد تتعطل بقدر ما كان على المدة الزمنية اللازمة لعودة الحركة إلى طبيعتها.
خلال السنوات الماضية تعرض الاقتصاد العالمي لاختبارات متتالية بدأت بجائحة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية واضطرابات البحر الأحمر وسلاسل الإمداد. هذه الأحداث غيرت طريقة التفكير الاقتصادي. فالسؤال لم يعد: هل ستحدث الأزمة؟ بل أصبح: كم ستستمر؟ وهل يستطيع الاقتصاد التكيف معها؟
ولهذا لم تعد الأسواق تنظر إلى إعادة فتح الممرات البحرية بوصفها نهاية للأزمة. فعودة أول ناقلة لا تعني عودة الكفاءة التشغيلية. شركات الشحن تحتاج إلى إعادة جدولة رحلاتها، وشركات التأمين تعيد تقييم المخاطر، كما أن الازدحام وتراكم الطلب يحتاجان إلى وقت حتى ينضبط إيقاعهما، لذلك قد تستغرق عودة التدفقات إلى مستوياتها الطبيعية أسابيع أو حتى أشهراً رغم انتهاء الحدث نفسه.
هذا التحول ظهر على طريقة إدارة الأعمال حول العالم. فعلى مدى عقود كان التركيز منصبًا على الكفاءة وخفض التكاليف وتقليص المخزون وتسريع دورة رأس المال. لكن الأزمات المتكررة أثبتت أن الكفاءة وحدها لا تكفي. لذلك بدأت الشركات تدفع تكلفة إضافية مقابل المرونة من خلال تنويع الموردين، ورفع المخزون الإستراتيجي، وإنشاء مسارات بديلة للنقل والإمداد.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة كثير من الاستثمارات التي تنفذها السعودية في قطاع الخدمات اللوجستية والنقل والموانئ. فهذه المشاريع لا تستهدف فقط زيادة حجم التجارة أو رفع مساهمة القطاع في الاقتصاد، بل تهدف أيضًا إلى تعزيز قدرة الاقتصاد على التعامل مع الصدمات الخارجية. فكلما ارتفعت سرعة التعافي انخفضت تكلفة الاضطرابات على النشاط الاقتصادي المحلي.
ولعل أهم ما كشفت عنه أحداث هرمز الأخيرة أن المخاطر لم تختف، لكن طريقة تسعيرها تغيرت. فالسوق لم يعد يقيس حجم الأزمة فقط، بل يقيس قدرة الاقتصاد على تجاوزها. وبينما كانت الاقتصادات سابقًا تتنافس على الكفاءة، أصبحت اليوم تتنافس على المرونة وسرعة التعافي.
ربما لا تكون أهم نتيجة للأحداث الأخيرة ما حدث لأسعار النفط خلال أيام معدودة، بل ما كشفته عن تحول أعمق في الاقتصاد العالمي. فالعالم لم يعد يبحث عن اقتصاد لا يتعرض للمخاطر، لأن ذلك لم يعد ممكنًا. ما يبحث عنه اليوم هو اقتصاد يستطيع الاستمرار وتحقيق النمو رغم وجود تلك المخاطر. وربما أصبحت القدرة على التعافي أصلًا اقتصاديًا لا تقل قيمته عن الموارد الطبيعية أو رأس المال نفسه.
نقلا عن الاقتصادية


