أسواق الأسهم العربية أسواق ناشئة، لذلك تطورها أتى تدريجيًا، فنجد أن نشوء أسواق الأسهم العربية جاء نتيجة الحاجة وليس التخطيط، ولنأخذ سوق الأسهم السعودية مثلاً، فقد قامت الشركات المساهمة على مبدأ الحاجة، فقد كانت المدن بحاجة للكهرباء، وكان التجار يخشون المغامرة في هذا النشاط الجديد، لكن حبهم لمدنهم ومساندة الحكومة لهم جعلهم يجتمعون ويؤسسون شركات كهرباء في المدن، فنجد شركة كهرباء مكة، وشركة كهرباء الرياض، وقسّ على ذلك بقية المدن والمناطق.
وفيما بعد، تم دمج شركات كل منطقة في شركة واحدة، ولاحقاً، تم دمج شركات المناطق تحت اسم الشركة السعودية للكهرباء، ومثل ذلك يُقال عن نشوء شركات الأسمنت. المهم في الأخير أصبحت لدينا شركات مساهمة، وأصبح من الضروري إنشاء جهة تشرف على هذه السوق، من هنا نشأت لجنة سوق الأسهم في مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) حاليًا ما يعرف بالبنك المركزي السعودي.
كانت هذه اللجنة مكونةً من ثلاث جهات حكومية: وزارة المالية، والبنك المركزي، ووزارة التجارة بصفتها مشرفة على تراخيص الشركات، وكانت الطروحات الأولية للشركات تواجه تشددًا من الجهات المشرفة على السوق منعًا للمتاجرة في الطروحات، وبغية - وهذا الأهم - خلق سوق مالية كفوءة، وهذا أمر مقبول ومنطقي، بعد ذلك بدأنا نطالب كصحافيين اقتصاديين بضرورة إنشاء هيئة سوق مال تشرف على السوق، وفعلًا نشأت هيئة سوق المال، وكانت البنوك هي من تدير التداول، فبدأنا نطالب بضرورة إنشاء شركات مالية مستقلة تكون مؤهلة للتعامل مع السوق، خصوصًا في الاستشارات الاستثمارية، ولتكن البنوك ممولًا لسوق الأسهم فقط، وفعلًا نشأت شركات مالية، لكن مع الأسف كان نصفها مملوكًا للبنوك ما يجعلها غير مستقلة. بعد ذلك بدأت الشركات المالية تتوالى وكانت مستقلة عن البنوك، أي أصبح لدينا نوعان من الشركات المالية، بعضها تشارك البنوك في ملكيته، والبعض الآخر مستقل عن البنوك.
وبعد تطور هيئة سوق المال أصبح من ضمن أهدافها توسيع قاعدة السوق، ووضعت ضوابط لدخول الشركات للسوق، أي لتصبح شركات مساهمة، والهيئة فلسفتها أن من يتوافق مع شروطها سيدخل السوق ولست مسؤولة عن نتائجه فيما بعد، وقد كان تقييم الشركات يتم عبر شركات المحاسبة، ولكن بعد فشل «شركة المعجل» أصبح التقييم يتم عبر بناء الأوامر من الشركات المالية المرخصة، وللأسف أيضًا هذه الشركات المالية غلبت فيها المضاربة على الاستثمار رغبة في الربح السريع، وهذا من حقها، وهذه الشركات تحصل على تمويل مريح من البنوك، خصوصًا الشركات التي تكون البنوك شريكًا فيها، ثم نأتي لما يُعرف بالمؤهلين في السوق، وهؤلاء تغطيهم البنوك بنحو 900 في المائة بمعنى: يدخل بمليون ريال والبنوك تموله بتسعة ملايين.
التجربة لم تكن ناجحة، لأن معظم الطروحات الأخيرة تتداول دون قيم اكتتابها، وهذا جعل المتعاملين يعون لهذا الأمر حتى أنهم لم يدخلوا في بعض الطروحات الأخيرة، وآخرها «شركة الغويري للمقاولات» التي أجّلت الطرح، معللةً ذلك بظروف السوق، ويمكن أن يكون ذلك صحيحًا، لكن الأكثر صحة هو المبالغة في علاوة الإصدار والبالغة عشرة ريالات، بينما القيمة الاسمية ريال واحد، أي أن مكسب مصدر الورقة المالية سيكون 1000 في المائة، وكذلك إذا قارنا سعر الطروحات الجديدة بأسعار شركات قائمة في السوق وجيدة وفق أدائها ومنتظمة في توزيع عائد سنوي منتظم، نجد الكفة ترجح لصالح الشركات القائمة، بدلًا من الطروحات الجديدة، وهو ما جعل المكتتبين يتجهون إليها بدلًا من المشاركة في اكتتابات الطروحات الجديدة.
فهل يعي الذين يرغبون في تحويل شركاتهم من خاصة إلى مساهمة، ولا يبالغون بعلاوات الإصدار، أم تتضافر جهود الجهات المشرفة على السوق والمتعاملين لإيجاد حل آخر لحل إشكالية الطروحات الجديدة التي صارت وسيلة لثراء لملاك الشركات فيما يراه المكتتبون إجحافًا بحقهم؟ ودمتم.
نقلا عن الشرق الأوسط


