الأسواق تترقب.. و"كيفين وارش" في مواجهة الاختبار الأول لقيادة الاحتياطي الفيدرالي

17/06/2026 0
نايل الجوابرة

في لحظات نادرة من التاريخ المالي والاقتصادي، لا يكون الحدث والتغيير تدريجيًا ولا واضح المعالم، بل يتحول إلى نقطة مفصلية تعيد رسم العلاقة بين السياسة النقدية والأسواق والسلطة السياسية، هذا هو بالضبط السياق الذي يجد فيه كيفن وارش نفسه اليوم، وهو يترأس أول اجتماع له على رأس الاحتياطي الفيدرالي، في اختبار يتعلق بمصداقية المؤسسة نفسها، فالقضية لم تعد تتعلق بمسار أسعار الفائدة بقدر ما هو الدور الذي يجب أن يلعبه البنك المركزي في اقتصاد مثقل بالديون، متخم بالسيولة السابقة، ومفتوح على تحولات تكنولوجية وجيوسياسية غير مسبوقة.

الأسواق التي لطالما تعاملت مع الفيدرالي باعتباره مرساة للاستقرار، بدأت تتصرف كما لو أن هذه المرساة نفسها أصبحت محل اختبار، وأيضًا لا تنتظر من وارش قرارًا مفاجئًا فالتوقعات تكاد تكون محسومة بالإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50% إلى 3.75%، لكن هذه النتيجة رغم أهميتها ليست جوهر الحدث، إلا أن التحول في الإدراك هو ما يجعل أولى خطوات وارش أكثر حساسية من أي قرار تقليدي، والفلسفة التي سيقدم بها نفسه للعالم كرئيس لأهم بنك مركزي على الإطلاق، فالرجل لا يواجه فقط تضخمًا أعلى من المستهدف، بل يواجه أيضًا شكوكًا ضمنية حول الإطار الذي سيحكم قراراته.

وخلال العقد ونصف الماضي تشكلت علاقة شبه تعاقدية غير مكتوبة بين البنوك المركزية والأسواق، حيث تقوم هذه العلاقة على افتراض بسيط في أوقات الاضطراب، بأن البنوك المركزية ستتدخل وتضخ السيولة وتعمل كمشتري أخير للأصول، هذه الفرضية التي تعززت بعد الأزمة المالية العالمية ثم ترسخت خلال جائحة كوفيد، خلقت ما يشبه شبكة أمان نقدية دعمت تقييمات الأصول وقلصت المخاطر الظاهرة، لكن هذه الشبكة لم تكن مجانية، فقد جاءت على حساب تضخم الميزانيات العمومية، وتشويه تسعير المخاطر وتآكل الحدود الفاصلة بين السياسة النقدية والمالية.

إلا أن كيفن وارش كان من أوائل المنتقدين لهذا النموذج، فهو أحد الذين عايشوا الأزمة المالية العالمية بين 2007 و2008 من داخل الفيدرالي، ويرى أن الاعتماد المفرط على التيسير النقدي لم يكن مجرد استجابة للأزمات، بل تحول إلى سلوك دائم أضعف انضباط الأسواق وأربك الإشارات السعرية، هذا النقد الذي بدا في وقت ما أقرب إلى موقف فكري، يكتسب اليوم بعدًا عمليًا، لأن تطبيقه يعني شيئًا واحدًا وهو تقليص الدور الذي اعتادت الأسواق أن يلعبه الفيدرالي.

غير أن هذا التحول إذا حدث لن يكون انتقالًا تقنيًا بل صدمة هيكلية، فالأسواق التي بنيت على افتراض وجود داعم نقدي دائم ستجد نفسها أمام واقع جديد، حيث تصبح الأسعار أكثر عرضة لقوى العرض والطلب الحقيقية لا لتدخلات السياسة، وهذا بدوره يعني ارتفاعًا محتملًا في التقلبات وإعادة تقييم شاملة للأصول، خاصة تلك التي استفادت بشكل غير مباشر من بيئة السيولة الوفيرة.

التحدي الأول: التضخم الذي لم يهزم بعد

في هذا السياق فالتحدي الأول هو التضخم، لكنه ليس التضخم بالمعنى التقليدي، فالموجة الحالية ليست نتاج دورة اقتصادية طبيعية، بل نتيجة تداخل عوامل متعددة تشمل صدمات الطاقة وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد والتحفيز المالي الكبير والتحولات في سوق العمل، هذا النوع من التضخم أكثر تعقيدًا وأبطأ استجابة للأدوات النقدية، وهو ما يفسر لماذا بقيت معدلاته أعلى من المستهدف رغم دورة تشديد قوية.

وارش يدرك أن رفع الفائدة وحده لن يحل المشكلة. لكنه في الوقت نفسه لا يملك أدوات أخرى مباشرة. هذه الفجوة بين طبيعة المشكلة وحدود الأدوات تخلق ما يمكن وصفه بـ"عجز السياسة النقدية"، حيث يصبح البنك المركزي مسؤولًا عن نتائج لا يملك السيطرة الكاملة عليها. وهنا تحديدًا تبدأ المخاطر الحقيقية على المصداقية.

لكن ربما يكون التحدي الأكبر ليس التضخم نفسه، بل التمويل فالاقتصاد الأمريكي، مثل معظم الاقتصادات المتقدمة، يعتمد بشكل متزايد على الاقتراض الحكومي لتمويل الإنفاق، ومع ارتفاع مستويات الدين إلى نسب تاريخية، يصبح استمرار الطلب على السندات مسألة حاسمة لاستقرار النظام المالي، في هذا الإطار كان الفيدرالي من خلال برامجه لشراء الأصول يلعب دورًا غير مباشر في دعم سوق السندات، أما اليوم ومع اتجاهه لتقليص ميزانيته فإن هذا الدور يتراجع.

التحدي الثاني: سوق السندات يختبر مبكرًا

إذا كان البيت الأبيض يريد فائدة أقل فإن سوق السندات تريد شيئًا مختلفًا تمامًا، وهي تريد دليلًا على أن الفيدرالي ما زال مستعدًا للتحرك بقوة إذا استدعى الأمر.

وارتفاع عوائد سندات الخزانة خاصة طويلة الأجل، يعكس شكوكًا حقيقية في قدرة السياسة النقدية على احتواء التضخم دون كلفة، وهنا يكمن الخطر أي إشارة من وارش قد تفسر على أنها تهاون وقد تدفع العوائد إلى الارتفاع أكثر، وتشدد الأوضاع المالية حتى دون رفع رسمي للفائدة، والنتيجة هي انتقال العبء إلى القطاع الخاص، الذي يطلب بدوره عائدًا أعلى لتعويض المخاطر، وإنها حلقة تغذية عكسية قد تخرج عن السيطرة إذا لم تدار بحذر شديد.

التحدي الثالث: الاستقلالية تحت المجهر

واحد من أكثر الجوانب حساسية في هذه المرحلة هو استقلالية الفيدرالي، ونظريًا أكد الرئيس الأمريكي دعمه لاستقلال وارش، لكن عمليًا فإن التصريحات السياسية الداعية إلى خفض الفائدة تضع هذه الاستقلالية تحت اختبار فعلي.

وارش نفسه قدم تعريفًا مختلفًا للاستقلالية قائلًا إن الفيدرالي مستقل داخل الحكومة وليس مستقلًا عنها، هذه العبارة رغم دقتها المؤسسية تحمل في طياتها مساحة رمادية قد تثير قلق الأسواق، وإنه اعتراف ضمني بأن الحدود بين السياسات لم تعد صلبة كما كانت في السابق، لكن هذا الاعتراف يحمل مخاطره الخاصة، لأنه قد يفسر على أنه قبول بدور أكبر للسلطة التنفيذية في توجيه السياسة النقدية.

الأسواق بين الثقة والذكاء الاصطناعي والتضخم

الأسواق بطبيعتها حساسة للغاية تجاه أي إشارة إلى تآكل الاستقلالية، ليس لأن المستثمرين يهتمون بالمبادئ المؤسسية بحد ذاتها، بل لأنهم يدركون أن استقلالية البنك المركزي هي الضامن الأساسي لاستقرار التوقعات التضخمية، وإذا تزعزع هذا الضامن فإن إعادة تثبيت التوقعات قد تتطلب تكلفة اقتصادية أعلى بكثير.

في المقابل لا يمكن تجاهل التحولات التكنولوجية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، التي قد تعيد تشكيل معادلة التضخم والنمو، والرهان على أن هذه التقنيات ستعزز الإنتاجية وتخفض التكاليف على المدى الطويل يبدو منطقيًا، ولكن المشكلة تكمن في الفجوة الزمنية بين الاستثمار والعائد، ففي المدى القصير تؤدي هذه الاستثمارات إلى زيادة الطلب على رأس المال والعمالة، ما قد يدعم التضخم بدلًا من كبحه، هذا التناقض يضع السياسة النقدية في موقف صعب، حيث يجب عليها التعامل مع آثار قصيرة الأجل قد تتعارض مع الاتجاهات طويلة الأجل.

كل هذه العوامل تتقاطع في لحظة واحدة وتجعل من اختبار وارش أكثر تعقيدًا مما قد يبدو على السطح، فهو لا يواجه فقط قرارًا حول الفائدة، بل يواجه ضرورة صياغة سردية جديدة تقنع الأسواق بأن الفيدرالي ما زال قادرًا على تحقيق الاستقرار، حتى في ظل تراجع أدواته التقليدية.

الفارق بين وارش وباول.. اختلاف فلسفي عميق

لعل أحد أهم أبعاد هذه المرحلة هو الفرق الجوهري بينه وبين سلفه جيروم باول، الذي قاد الفيدرالي منذ عام 2018 حتى 2026 لما يقارب ثماني سنوات، حيث اعتمد باول على الشفافية والتواصل المستمر كأداة لإدارة التوقعات، ونجح إلى حد كبير في تهدئة الأسواق خلال فترات الاضطراب، حيث أصبحت المؤتمرات الصحفية والتوجيهات المستقبلية أدوات أساسية في إدارة التوقعات وتقليل التقلبات، لكن هذا النهج رغم فعاليته خلق أيضًا اعتمادًا مفرطًا على الإشارات المستقبلية، مما جعل الأسواق أكثر حساسية لأي تغيير في اللغة.

أما وارش فيمثل اتجاهًا مختلفًا ويبدو أنه مستعد لكسر هذا النمط، فهو ينتقد الإفراط في التواصل، ويرى أن كثرة التصريحات قد تقيد صناع القرار وتجعلهم أسرى لتوقعاتهم السابقة، حيث يقل الوضوح وتزداد الحاجة إلى تفسير البيانات بشكل مستقل، هذا التحول قد يعيد للأسواق دورها التقليدي في اكتشاف الأسعار، وهو يميل إلى نهج أقرب إلى مدرسة آلان غرينسبان، فهو المايسترو الذي كان يقود أوركسترا الاقتصاد العالمي بدقة متناهية؛ والذي استطاع أن يعزف على أوتار الأسواق المالية وأن يضبط إيقاعها، بل وأن يفجر فقاعاتها حين تستدعي الضرورة ذلك، وعلى مدار ما يقارب عقدين من الزمن في قلب الفيدرالي، لم تكن كلماته تقرأ فحسب، بل كانت تفكك وتحلل كما لو أنها إشارات مشفرة تحدد اتجاه رأس المال العالمي، ففي اللحظات التي كان يتحدث فيها كانت شاشات التداول تدخل حالة من الترقب الحاد، حيث يتوقف المستثمرون عن الفعل لوهلة فقط لاستيعاب نبرة صوته واختيار مفرداته، مما جعلها بحد ذاتها أداة من أدوات السياسة النقدية، حيث كان الغموض المدروس يستخدم كأداة لإدارة الأسواق لا كخلل في التواصل.

إعادة تشكيل دور الفيدرالي

ما يطرحه وارش يتجاوز أسعار الفائدة فنحن أمام رؤية لإعادة تعريف دور البنك المركزي نفسه، وحول خطط التغيير الهيكلي التي يقودها الرئيس الجديد، والتي تهدف بشكل رئيسي إلى إحداث تغييرات جوهرية في آلية صياغة السياسة النقدية وإعادة هيكلة أدوات التواصل مع الأسواق ومنها:

-تقليص الاعتماد على الميزانية العمومية كأداة للسياسة النقدية

-إعادة النظر في أدوات قياس التضخم

-تقليل التوجيه المسبق للأسواق

-تقليص أو إلغاء الدوت بلوت

-إعادة رسم العلاقة مع وزارة الخزانة

هذه التغييرات إن تم تنفيذها قد تمثل أكبر تحول في عمل الفيدرالي منذ عقود، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر كبيرة، لأن الأسواق بطبيعتها لا تحب الفراغ المعلوماتي.

الاختبار الحقيقي بناء إطار موثوق

في نهاية المطاف فالقضية الحقيقية هي ما إذا كان الرئيس الجديد وارش قادرًا على إدارة انتقال استراتيجي من نموذج نقدي قائم على التوجيه والدعم، إلى نموذج أكثر تحفظًا يعتمد على قوى السوق.

مثل هذا الانتقال فإن حدث لن يكون خطيًا ولا سريعًا، بل سيكون مصحوبًا بفترات من عدم اليقين، وإعادة التسعير وربما أخطاء في التقدير، لكن البديل وهو الاستمرار في النموذج السابق قد يكون أكثر كلفة على المدى الطويل، لأنه يفاقم الاختلالات بدلًا من معالجتها.

لهذا فإن ما يحدث اليوم لا يمكن اختزاله في اجتماع أو بيان نحن أمام لحظة اختبار لنموذج كامل من السياسة النقدية، وإذا كان التاريخ يقدم درسًا واحدًا في مثل هذه اللحظات، فهو أن الأسواق قد تتسامح مع التشدد، لكنها لا تتسامح مع فقدان المصداقية، وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه كيفن وارش ليس فقط أن يتخذ القرار الصحيح، بل أن يقنع العالم بأنه يفهم طبيعة المرحلة التي يعيشها الاقتصاد العالمي.

 

خاص_الفابيتا