الإدارة بالإنتاجية.. لا بالحضور

17/06/2026 0
حسين بن حمد الرقيب

في بيئة العمل الحديثة، لم يعد الحضور الجسدي مؤشرًا حقيقيًا على الأداء، ولا دليلًا كافيًا على الالتزام أو الكفاءة، فالعالم يتغير، وطبيعة الوظائف تتطور، وأدوات العمل أصبحت أكثر مرونة، لكن بعض نماذج التقييم لا تزال عالقة في مفهوم تقليدي يربط الإنتاجية بعدد الساعات، لا بحجم الإنجاز.

التقييم بالحضور قد يمنح شعورًا زائفًا بالانضباط، لكنه في كثير من الأحيان يُخفي تفاوتًا كبيرًا في الأداء الحقيقي بين الموظفين، فقد يتساوى شخصان في عدد ساعات العمل، لكن يختلفان جذريًا في جودة المخرجات، وسرعة الإنجاز، والقيمة المضافة، هنا يظهر الخلل: النظام يكافئ الوجود أكثر من الأثر.

في المقابل، التقييم بالإنتاجية يعيد توجيه البوصلة نحو ما يهم فعلًا: النتائج، فهو يربط الأداء بمؤشرات قابلة للقياس، مثل حجم الإنجاز، وجودة العمل، والالتزام بالمواعيد، والقدرة على الابتكار وحل المشكلات، هذا النوع من التقييم لا يكتفي بمراقبة الموظف، بل يمنحه مساحة ليبدع ويُنجز بطريقته، طالما أن النتائج تتحقق بكفاءة.

التحول إلى نموذج الإنتاجية لا يعني غياب الانضباط، بل إعادة تعريفه، الانضباط هنا لا يُقاس بعدد الساعات خلف المكتب، بل بالقدرة على إدارة الوقت بفعالية، وتحقيق الأهداف ضمن الإطار الزمني المحدد، وهو ما يعزز ثقافة الثقة بين الإدارة والموظف، ويُخرج بيئة العمل من دائرة الرقابة إلى دائرة المسؤولية.

اقتصاديًا، هذا التحول يحمل آثارًا عميقة، المؤسسات التي تعتمد التقييم بالإنتاجية غالبًا ما تحقق كفاءة تشغيلية أعلى، وتخفض التكاليف غير المباشرة، وترفع مستوى الرضا الوظيفي، ما ينعكس إيجابًا على الاستقرار الوظيفي وتقليل معدلات الدوران، كما أن هذا النموذج يتماشى مع التحولات الكبرى في سوق العمل، خاصة مع انتشار العمل المرن والعمل عن بُعد.

لكن النجاح في تطبيق هذا النموذج يتطلب أكثر من مجرد قرار إداري، يحتاج إلى بنية واضحة من مؤشرات الأداء (KPIs) المصممة بعناية، وأنظمة متابعة ذكية، وثقافة تنظيمية تؤمن بأن القيمة تُقاس بما يتحقق لا بما يُرى، كما يتطلب تدريب القيادات على إدارة الفرق بناءً على النتائج، لا على الحضور والانصراف.

السؤال الذي يجب أن تطرحه كل مؤسسة على نفسها ليس: كم ساعة يعمل موظفونا؟ بل: ما الذي ينجزونه فعليًا؟ فالفرق بين النموذجين هو ببساطة الفرق بين مؤسسة تُدير الوقت، وأخرى تُدير القيمة.

التحول إلى التقييم بالإنتاجية ليس خيارًا تنظيميًا فحسب، بل ضرورة تفرضها طبيعة الاقتصاد الحديث، ومن يُدرك هذه الحقيقة مبكرًا، يضمن لنفسه موقعًا متقدمًا في سوق تنافسي لا يعترف إلا بالنتائج.

 

نقلا عن الرياض