وقعت مذكرة التفاهم للبدء بمفاوضات الحل النهائي للحرب بين أمريكا وإيران وتعد أهم خطوة عملية نحو تحقيق سلام واستقرار في المنطقة بالمفهوم العام المتبع لمثل هذه الأزمات الكبرى تاريخيا، فالحرب بمجملها لم تكن طويلة وقسمت لعدة مراحل الأولى كانت بالضربات العسكرية واستمرت ضمن توقعات الإعلان الأمريكي الأول عن مدتها لما بين 4 إلى 6 أسابيع فكانت ضمن هذه المدة بينما انتقلت بعدها لمرحلة استخدام سلاح أكثر فتكا بالاقتصاد الإيراني وهو الحصار البحري الذي يسمى «السلاح الصامت» بهدف تعزيز المكاسب السياسية لتنتقل بعدها لمرحلة التفاوض لتنفيذ بنود الاتفاق الذي وقعت مذكرته قبل يومين وهي المرحلة الأكثر شبها بخيمة صفوان بعد حرب تحرير الكويت من الغزو العراقي وما تلاها من التزامات على العراق.
لكن ماذا عن المرحلة التالية لإنهاء حالة الحرب الحالية تماما على الصعيد الاقتصادي والتحالفات أو تعزيز الشراكات الاقتصادية والتجارية والتي بطبيعة الحال ستتوسع لتشمل حماية تلك المصالح التي ستتعاظم سواء أمنيا وكذلك عسكريا بين الدول التي ستلتقي مصالحها أكثر من أي وقت مضى بالشرق الأوسط، فبعد كل أزمة كبرى تولد فرصا وتتغير بوصلة العلاقات التجارية بين الدول وكذلك الشراكات التي تتكامل الدول فيما بينها بتعزيزها، فبعد حرب تحرير الكويت اتجهت دول الخليج أكثر للصناعة المشتقة من الثروات الطبيعية الغاز والنفط فزاد الإنتاج البتروكيماوي وكذلك الأسمدة وأصبحت دول الخليج من المؤثرين جدا عالميا بهذه الصناعات وارتفعت التجارة البينية مع العالم وبين دول الخليج وتدفقت الاستثمارات ونمت النواتج المحلية بعدة اأضعاف وانعكس ذلك في جاذبية الاستثمار الأجنبي وتطور كبير بالتنمية البشرية تعليما وصحة مع تنوع إيجابي بنسب كبيرة بمصادر الدخل وحصلت دول الخليج العربي الست على أعلى التصنيفات الائتمانية وهو ما عزز من قدرتها على تجاوز عدة أزمات كبرى خلال العقدين الماضيين مثل الأزمة المالية العالمية 2008 وكذلك جائحة كورونا.
لكن هذه الحرب التي تعد من أخطر الأزمات التي واجهت المنطقة والعالم وأوجدت أزمة طاقة غير مسبوقة عالميا أظهرت أهمية التوجه لهيكلة شاملة بطرق سلاسل الإمداد وكذلك التحالفات والشراكات القادمة وكيفية ربطها بكل الأدوات والممكنات لكي تكون المصالح عميقة بين الدول التي ستكون الأكثر فاعلية ضمن حركة التجارة القادمة سواء البينية أو مع العالم، فقبل أيام تم توقبع مذكرة تفاهم لإنشاء خط سكك حديدية إستراتيجي بين السعودية وتركيا وهما دولتان من مجموعة العشرين وترتبطان بعلاقات تجارية وموقع جغرافي مهم مع أكبر القارات من آسيا لأوروبا وكذلك إفريقيا وسيمتد مشروع القطار عبر سوريا والأردن ويمكن أن يتشعب ليصل دولا خليجية ومناطق عدة داخل السعودية مما يرفع من حجم نقل البضائع ويقلل التكاليف ومدد وصولها ويسهم بتوحيد المعايير للمواصفات والمقاييس لإنتاج السلع والخدمات بين تلك الدول مما يرفع من الجودة والمنافسة مع البضائع القادمة من أسواق أخرى، إضافة إلى أن ذلك سيضخم النواتج الإجمالية لتلك الدول ويقلل من فرص حدوث أي ركود اقتصادي فيها بقطاعات إنتاجية عديدة صناعية وزراعية، إضافة لحركة انتقال المسافرين بين هذه الدول الذي سيدعم قطاع السياحة والضيافة وأي فعاليات من أي نوع سواء رياضية أو ثقافية أو ترفيهية.
فبالنظر لما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية من تطور هائل بالعلاقات بينها فإن منطقة الشرق الأوسط ذاهبة لذات التوجه بتعزيز نشاط العلاقات التجارية والاقتصادية بينها وهذه المرحلة المهمة من تاريخ المنطقة قد تكون شرارتها هذه الحرب وأثرها سيظهر خلال أعوام قادمة، فالتطور سيكون تدريجيا، كما أن حجم الاستثمارات ونوعيتها سيرتفع بشكل كبير بالمنطقة وسيفرض ذلك إنهاء لكل الملفات التي تحد من تدفق الاستثمارات والمقصود الملفات السياسية والقضايا التي أثرت على المنطقة لعقود طويلة.
من رحم الأزمات تولد الفرص وهذه الأزمة كغيرها ستتغير بعدها توجهات الاستثمارات وتزداد فرص نمو اقتصادات المنطقة وتعد السعودية من أكبر الدول المستفيدة. حيث يتوقع أن تشهد تطورات كبرى بقطاعات سلاسل الإمداد والصناعات التعدينية ومراكز البيانات ويتوقع انتقال عدد كبير من الشركات العالمية التي ستفتتح مصانعها بالمدن الصناعية والاقتصادية خلال الأعوام القادمة رغم أنها بدأت بالقدوم من بعد إطلاق رؤية 2030 لكن بعد هذه الحرب سيكون حجم المرخصين للعمل بالمملكة أضعاف ما تحقق سابقا، فالفرصة أصبحت كبيرة لتصبح قطاعات صناعية ولوجستية مع الخدمات التي تقدم لتعزيز جودة الحياة هي من الأعلى تأثيرا بالناتج الإجمالي والمولد الأكبر لفرص العمل وجذب الاستثمارات لمدن اقتصادية مثل مدينة الملك عبدالله الاقتصادية وكذلك نيوم والجبيل وينبع ورأس الخير ووعد الشمال والمناطق اللوجستية التي أعلن عنها سابقا وذلك من خلال إعادة النظر بكل ما يمكن تعديله من لوائح تيسر تدفق الاستثمار المحلي والأجنبي لها.
نقلا عن الجزيرة


