كيف تكشف القوائم المالية المضللة؟
قراءة في كتاب Howard Schilit وربطه بحالات من السوق السعودي والعالمي
يُعتبر كتاب Financial Shenanigans للمؤلف Howard M. Schilit من أهم الكتب المتخصصة في اكتشاف التلاعب المحاسبي وتحليل جودة الأرباح، إذ يقدّم إطارًا عمليًا لفهم الكيفية التي قد تستخدم بها بعض الشركات القوائم المالية لتجميل واقعها التشغيلي والمالي. ولا يتحدث الكتاب فقط عن الاحتيال الصريح، بل يركز بصورة أكبر على الممارسات المحاسبية العدوانية التي تقع أحيانًا ضمن الحدود النظامية أو في المناطق الرمادية من المعايير المحاسبية، لكنها تؤدي في النهاية إلى تضليل المستثمرين وإعطاء صورة غير دقيقة عن الأداء الحقيقي للشركة.
الفكرة الأساسية التي يبني عليها Schilit كتابه هي أن القوائم المالية ليست مجرد أرقام محايدة، بل قصة تحاول الإدارة تقديمها للسوق. ولذلك فإن دور المحلل المالي أو المستثمر لا يقتصر على قراءة النتائج الظاهرة، بل يمتد إلى فهم جودة هذه النتائج، ومصدرها الحقيقي، ومدى استدامتها.
ويشير الكتاب إلى أن أكثر مجالات التلاعب شيوعًا يتمثل في الإيرادات، لأن الإيراد هو المحرك الأساسي للنمو وتقييم الشركات في الأسواق المالية. بعض الشركات قد تقوم بالاعتراف بالإيرادات قبل تحققها الفعلي، أو تسجيل عقود ومبيعات بطريقة تعطي انطباعًا بنمو قوي رغم أن التدفقات النقدية أو الطلب الحقيقي لا يدعمان ذلك.
وقد شهد السوق السعودي أمثلة عملية تعكس بصورة واضحة المفاهيم التي ناقشها Schilit، ومن أبرزها قضية شركة موبايلي، التي أعلنت في عام 2014 عن مراجعات جوهرية لنتائجها المالية بعد اكتشاف أخطاء محاسبية مرتبطة بطريقة الاعتراف ببعض الإيرادات والعقود طويلة الأجل. وأدى ذلك إلى تعديل الأرباح المعلنة بصورة كبيرة، وانخفاض ثقة المستثمرين بشكل حاد، وتراجع القيمة السوقية للشركة خلال تلك الفترة.
كما تُعد قضية المستشفى السعودي الألماني مثالًا مهمًا آخر على الإشكالات المرتبطة بجودة الأرباح والإفصاح المالي. فقد أصدرت هيئة السوق المالية السعودية قرارات تضمنت فرض عقوبات وغرامات على عدد من أعضاء مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية بسبب مخالفات متعلقة بالإفصاح والاعتراف بالإيرادات بصورة غير صحيحة، ما أدى إلى تضخيم بعض النتائج المالية وإظهار أداء أفضل من الواقع خلال فترات معينة.
ولا تقتصر هذه الممارسات على الأسواق الناشئة أو الإقليمية، بل ظهرت أيضًا في شركات عالمية كبرى. ومن أبرز الأمثلة الحديثة قضية شركة Wirecard الألمانية، التي كانت تُعتبر واحدة من أسرع شركات التكنولوجيا المالية نموًا في أوروبا قبل انهيارها في عام 2020. فقد اكتُشف أن الشركة قامت بتضخيم أرصدتها النقدية والإيرادات لسنوات، إلى أن تبين اختفاء ما يقارب 1.9 مليار يورو من النقد المزعوم في حساباتها البنكية.
ويؤكد Schilit أن المحلل المالي المحترف يجب ألا يكتفي بالنظر إلى صافي الربح، بل ينبغي أن يربط بين الأرباح والتدفقات النقدية، ويراقب نمو الذمم المدينة، ويحلل التغيرات في السياسات المحاسبية، ويتساءل عن أسباب التحسن المفاجئ في الهوامش الربحية أو النمو غير المنطقي مقارنة بالقطاع.
وفي النهاية، يقدّم كتاب Financial Shenanigans درسًا بالغ الأهمية لكل من يعمل في المالية والاستثمار والحوكمة، وهو أن قراءة القوائم المالية تتطلب عقلية نقدية لا تكتفي بالأرقام الظاهرة. فالقوائم المالية قد تكون أداة لشرح الواقع، لكنها قد تتحول أيضًا إلى أداة لتجميله وإخفاء مخاطره.
خاص_الفابيتا


