تعجبني الحالات المعقدة لأن فيها دروس كثيرة للطلاب والمهتمين إضافة إلى ما تنتجه من تحدي فكري، وفي نظري فقضية شركة السعودي الألماني، معقدة جدا، وتتطلب دراسة متأنية لفهم من الذي حدث، ونبدأ من قرار لجنة الاستئناف في منازعات الأوراق المالية القطعي ضدّ عدد من أعضاء مجلس إدارة ولجنة مراجعة شركة الشرق الأوسط للرعاية الصحية (السعودي الألماني الصحية)، لقيامهم بتضخيم إيرادات الشركة من خلال الاعتراف بإيرادات إجمالية غير مستحقة بلغت (358,044,138) ريالا، رغم علم مجلس إدارة الشركة ولجنة المراجعة فيها "بضعف" إمكانية تحصيل تلك الإيرادات.
هذا كان النص مختصرا، لكن تقرير مراجع الحسابات عن تلك الفترة لم يتضمن تحفظات عن تلك المسألة، كما لم يتضمن أي تقرير لاحق تحفظات ذات صلة، فهل أخطأ المراجع في عمله؟ ولماذا لم تتم إدانته أيضا؟ لماذا تضمن قرار لجنة الفصل في المنازعات عبارة حاسمة جدا وهي "رغم علم مجلس إدارة الشركة ولجنة المراجعة فيها (بضعف إمكانية) تحصيل تلك الإيرادات". لاحظ كلمة (ضعف) وليس (عدم)، فالمسألة تدور حول التقدير، فهل سوء التقدير محل للإدانة.
والسؤال كيف تمت إدانة المسؤولين لأن هناك ضعف في إمكانية تحصيل الإيرادات؟ كيف دافع هؤلاء المسؤولين عن هذه التهمة المتعلقة بتقديرهم لإمكانية التحصيل؟ أليس للمسؤولين في إدارات الشركات سلطة تقديرية وفقا لاختصاصهم في إدارة الشركة؟ لست هنا أسعى لتبرئة المسؤولين فلقد صدر قرار اللجنة وكان لديهم فرصة الدفاع، وعندي قناعة تامة بصحة قرار اللجنة، لكن كيف يمكن تفسيره محاسبيا؟
في المحاسبة هناك مفهوم خطير جدا عند الإعداد والإفصاح عن المعلومات المحاسبية، وهو مفهوم الأهمية النسبية، وهذا يعني أنه لا بد من الإفصاح عن كل معلومة يمكن أن يتسبب إخفاءها أو إغفالها تغييرا في قرار المستخدم لتلك المعلومة.
وبتطبيق هذا المفهوم على رقم الإيرادات محل المشكلة نجد بأنه أكثر قليلا من 358 مليون ريال، وهو ما يعادل (25 %) من إجمالي الإيرادات 2018 التي بلغت (1,391) مليونا، كما أنه يزيد عن صافي أرباح الشركة 2018 بمقدار الضعف، حيث بلغت صافي الدخل 2018 (170) مليونا، وهذا كافي جدا لمعرفة أن الخطأ في تقدير الإيرادات بنحو25% وضعف صافي الدخل كان خطأ جسميا جدا، لقد كان كفيلا بتغيير قرارات المستثمرين لو تم الإفصاح بشكل جيد عن تلك الأرقام، ويكفي لإدانة المسؤول إثبات إهماله الجسيم أو تعمده سوء التقدير.
لمزيد من الفهم، يجب أن نقر بأن المشكلة كانت في تقدير الإيرادات بشكل واضح، وهذا يعني أن الشركة عجزت في تطبيق معيار المحاسبة الدولي (15)، وهو معيار معقد وتختلف تطبيقاته من شركة إلى أخرى، وهو نفس المعيار الذي فشلت شركة موبايلي في تطبيقه وفشلت شركة المعجل كذلك، في القضايا المشهورة.
يصعب شرح المعيار هنا، لكن مشكلة الإيرادات في شركة طبية هي مشكلة الاعتراف بالإيراد المتغير ويحدث بسبب عدم التـأكد من قيمة الإيرادات المستحقة فعلا، فالمشكلة تظهر عند إعداد الفواتير الطبية لتقديم المطالبات الطبية فلابد من التحقق من أهلية التأمين، دقة معلومات المريض وتحديثها، ومراجعة المطالبة، وأخيرًا إرسالها للتسويات ثم متابعة المطالبة والتواصل مع شركات التأمين لمعرفة حالة المطالبة، أحيانا يصدر الرفض من جهة الدفع بسبب معلومات غير صحيحة أو غير صالحة وهذه تُعاد إلى فريق الفوترة لتصحيحها قبل إرسالها إلى شركات التأمين.
الرفض القاطع في الفواتير الطبية هو رفض مطالبة لا يمكن نقضه أو إلغاؤه بسهولة. ولكن يمكن تقديم استئناف إذا كان الرفض ناتجًا عن أخطاء في التوثيق أو الترميز. غالبًا ما يؤدي هذا النوع من الرفض إلى خسارة في التعويضات والإيرادات، مثل رفض مطالبات لخدمات غير مشمولة بالتغطية، أو مكررة، أو مقدمة بعد الموعد، أو بسبب الضرورة الطبية أو مستوى الرعاية.
حسب المعيار IFRS 15 فإن الاعتراف بالإيراد المتغير يجب أن يتم وفقا للمبلغ المتوقع استحقاقه، وهذا يخضع للتقدير. فمثلا عندما تطلب الشركة مبلغا معينا (قيمة الفاتورة المرفوعة مثلاً) تتوقع أن المبلغ الذي ستحصله فعلياً "قد" يكون أقل بسبب الرفض المحتمل، لذلك لا يجوز للشركة وفقا للمعايير تسجيل كامل قيمة الفاتورة كإيراد، بل يجب أن تسجل فقط المبلغ "المؤكد" تحصيله بنسبة عالية جدًا.
في الإيضاح رقم (5) ضمن القوائم المالية للشركة 2022 (المتاحة لي)، ورد نص عن تقدير العوض المتغير للرفض كما يلي: (تحدد المجموعة حالات الرفض المتوقعة للخدمات المقدمة للعملاء استنادا إلى المعدل التاريخي لرفض هؤلاء العملاء. يتم تطبيق النسب الأخيرة لحالات الرفض لتحديد القيمة المتوقعة من العوض المتغير. إن أي تغيرات جوهرية مقارنة بنمط الرفض التاريخي ستؤثر على نسب الرفض المتوقعة من قبل المجموعة.
وتقوم المجموعة بتحديث تقييمها لمعدلات الرفض المتوقعة عندما يتم استلام معدلات الرفض والموافقة عليها، ويتم تعديل مخصصات الرفض تبعا لذلك.
تعد تقديرات حالات الرفض حساسة للتغيرات في الظروف، وقد لا تمثل تجربة المجموعة السابقة فيما يتعلق بحالات الرفض وحالات الرفض المقدرة التي تم تسجيلها، حالات الرفض في المستقبل، وهكذا فإن الحالة واضحة، فالتقييم لحالات الرفض المستقبلية قد لا تناسبه المعدلات السابقة، ولا بد من تقدير مناسب، ويبدو أن الإدارة قد ظنت أنه يمكنها تضخيم الإيرادات بالتوسع غير المبرر في التفاؤل بشأن تلك الفواتير، لكن بقي السؤال أين كان دور المراجع الخارجي في هذا التجاوز في التقدير؟
في مثل هذه الحالات قد لا تمنح المعايير سلطة للمراجع للتحفظ بشأن تقديرات الإدارة، لكنه يستطيع لفت الانتباه أو استخدام بند الأمور الرئيسية لشرح النقاش الذي تم مع الإدارة لكن للأسف لا يتم استخدامه بالشكل المناسب لا من مستخدمي التقرير ولا من قبل المراجعين الخارجيين أنفسهم. بالعودة للقوائم المالية المتوفرة لعام 2022.
نجد أن المراجع ضمن بند الأمور الرئيسية، كتب عن إثبات الإيرادات ما نصه (تثبت المجموعة الإيرادات عن تقديم الخدمات وتقاس بالقيمة العادلة للعوض المستلم أو المستحق الاستلام، يعد إثبات الإيرادات أمر مراجعة رئيسي لوجود مخاطر إمكانية تحريف بسبب تخطي الإدارة للضوابط الرقابية)، هذا النص لا يعني شيئا.
ويمكن أن تجده في أي كتاب للمراجعة أو مقالة لمبتدئ، وليس من مراجعين كبار في سوق مالية كبيرة، فبند الأمور الرئيسية لم يكن يوما لعرض مبادئ المراجعة، وعلى هيئة المحاسبين تطوير مهارات المراجعين في استخدامه.
نقلا عن الاقتصادية


