في مسيرة الأمم الناجحة، لا تُصنع الإنجازات الكبرى بالصدفة، بل تبدأ بفكرة يؤمن بها الناس، ثم تتحول بالدعم والعمل إلى قصة نجاح تتجاوز الحدود. ومن العبارات التي أصبحت مرتبطة بثقافة الدعم والطموح في المجتمع السعودي، مقولة صاحب السمو الملكي الوليد بن طلال الشهيرة:
“ناخذه، ندعمه، نقوّيه، ونوصله للعالمية.”
هذه العبارة ليست مجرد كلمات تحفيزية، بل فلسفة اقتصادية وتنموية متكاملة، تختصر معنى الاستثمار الحقيقي في الإنسان، والفكرة، والمنتج، والهوية الوطنية. وهي مبدأ يعكس كيف يمكن للدعم المحلي أن يصنع نجاحًا عالميًا عندما تتوفر الثقة والإرادة والرؤية. ولأن الكلمات العظيمة غالبًا ما تولد من مواقف مؤثرة، فقد جاءت هذه العبارة في سياق رياضي يحمل معاني اقتصادية ووطنية أوسع بكثير من مجرد كرة قدم. فقد ارتبطت الفكرة بدعم نادي الهلال، حين كان الحديث يدور حول إمكانية الاستثمار في أندية أوروبية عالمية، إلا أن الأمير الوليد بن طلال تبنى فكرة مختلفة تقوم على دعم الكيان المحلي بدلًا من التوجه للخارج، مؤمنًا بأن الهلال يملك المقومات التي تجعله ناديًا عالميًا إذا وجد الدعم الكافي.
كانت الرسالة واضحة:
بدل أن نذهب للنجاح الجاهز في الخارج، لماذا لا نصنع نجاحنا بأيدينا؟
بدل أن نستثمر في أسماء عالمية موجودة أصلًا، لماذا لا نبني اسمًا سعوديًا يصل إلى العالمية؟
ومن هنا جاءت فلسفة:
“ناخذه، ندعمه، نقوّيه، ونوصله للعالمية.”
ورغم أن المقولة انطلقت من الوسط الرياضي، إلا أن معناها يمتد ليشمل الاقتصاد والاستثمار والصناعة وحتى الثقافة. فهي باختصار فلسفة بناء وطن:
أن نؤمن بقدراتنا، وندعم مشاريعنا، ونمنح الثقة للمنتج المحلي حتى يصل إلى العالمية.
وهذا ما نراه اليوم في نجاح العديد من الشركات السعودية التي بدأت محليًا ثم أصبحت تنافس إقليميًا وعالميًا، ومن أبرزها شركة المراعي التي تُعد مثالًا واضحًا على نجاح المنتج السعودي عندما يجد الاستثمار والدعم والتطوير. لقد استطاعت المراعي أن تبني ثقة المستهلك السعودي أولًا، ثم توسعت حتى أصبحت منتجاتها تنافس عالميًا من حيث الجودة والتنظيم والتقنيات الحديثة. واليوم تُعد المراعي نموذجًا حيًا لما يمكن أن يصل إليه المنتج السعودي عندما يجد الدعم الحقيقي والرؤية الواضحة. ولم يكن نجاحها وليد الصدفة، بل نتيجة استثمار طويل في الجودة والابتكار والكوادر الوطنية. وهذا يؤكد أن دعم الشركات المحلية لا يعود بالنفع على الشركة فقط، بل ينعكس على الاقتصاد الوطني من خلال توفير الوظائف، وتعزيز الأمن الغذائي، وزيادة الناتج المحلي.
حظي نادي الهلال خلال السنوات الماضية بدعم مباشر من الحكومة السعودية ووزارة الرياضة، وهو ما ساهم في بناء فريق قوي رفع اسم الكرة السعودية قارياً وعالمياً، وجعل الهلال واجهة رياضية للمشروع الرياضي السعودي الحديث. ومع التحولات الجديدة نحو الخصخصة والاستثمار الرياضي، بدأت مرحلة مختلفة تعتمد على الاستدامة الاقتصادية وصناعة الأندية القادرة على تمويل نفسها ومنافسة كبار العالم. وفي هذا الإطار جاءت صفقة استحواذ شركة المملكة القابضة التابعة للأمير الوليد بن طلال على الحصة الأكبر من شركة الهلال، في خطوة عكست ثقة وزارة الرياضة في قدرة الوليد على قيادة المشروع الهلالي نحو العالمية. وتشير العديد من التقارير إلى أن النادي تلقى اهتماماً وعروضاً مالية مرتفعة من جهات ومؤسسات خليجية، إلا أن وزارة الرياضة فضّلت منح الفرصة لمستثمر سعودي يمتلك رؤية طويلة المدى تتماشى مع أهداف رؤية المملكة 2030، والتي تقوم على تحويل الأندية إلى كيانات استثمارية مستدامة. أن مبدأ “ناخذه ندعمه نقويه ونوصله للعالمية” من الأسباب التي دفعت الأمير الوليد للاهتمام الكبير بالهلال، باعتباره مشروعًا وطنيًا ورياضيًا قادرًا على تمثيل السعودية عالميًا. فالهلال لم يكن بالنسبة له مجرد نادٍ لكرة القدم، بل نموذجًا يمكن من خلاله إثبات أن الكيان المحلي إذا وجد الثقة والاستثمار الحقيقي، فإنه قادر على منافسة أكبر الأسماء العالمية. واليوم تبدو الكرة في ملعب الأمير الوليد لإثبات أن الهلال قادر على منافسة أكبر أندية العالم، ليس فقط عبر الدعم المالي، بل من خلال بناء نموذج رياضي واستثماري متكامل يجعل من النادي علامة عالمية داخل الملعب وخارجه بما ينسجم مع رؤية السعودية في تحويل الرياضة إلى صناعة واستثمار طويل الأمد.
لقد أثبت الهلال خلال السنوات الماضية أن الدعم الحقيقي يصنع الفارق. فبفضل الاستقرار الإداري، والدعم الجماهيري، والاستثمارات الرياضية، أصبح النادي أحد أبرز الأندية الآسيوية والعربية، ووصل إلى مشاركات عالمية مشرّفة رفعت اسم المملكة في المحافل الدولية. ولعل أجمل ما في تجربة الهلال أنها جسدت المقولة عمليًا؛ فالنادي لم يُبنَ على الشهرة المؤقتة، بل على العمل والتطوير والاستثمار المستمر. وهذا ما جعل الهلال يتحول من نادٍ محلي جماهيري إلى علامة رياضية معروفة عالميًا. كما أن هذه التجربة أوصلت رسالة مهمة جدًا للمجتمع السعودي، وهي أن الاستثمار في الكيانات الوطنية أكثر قيمة وأثرًا من البحث عن النجاح الخارجي الجاهز. فحين نؤمن بما نملك، نستطيع صناعة شيء يفخر به الوطن كله.
إن تطبيق هذا المبدأ في حياتنا اليومية يظهر بوضوح في دعم المنتجات والشركات السعودية. فحين يختار المواطن المنتج الوطني، فإنه لا يشتري سلعة فقط، بل يشارك في دعم الاقتصاد المحلي، وتوفير فرص العمل، وتشجيع الابتكار، وتعزيز مكانة المملكة اقتصاديًا. والمنتج السعودي اليوم لم يعد مجرد بديل محلي، بل أصبح منافسًا قويًا من حيث الجودة والكفاءة والتطوير. بل إن كثيرًا من العلامات السعودية بدأت تتوسع خارج المملكة وتبني لها سمعة عالمية في مجالات متعددة. ومن هنا تصبح عبارة “ناخذه ندعمه نقويه ونوصله للعالمية” مبدأً اقتصاديًا واجتماعيًا متكاملًا، يبدأ من تشجيع الفكرة الصغيرة، وينتهي بصناعة كيان عالمي يحمل اسم السعودية. كما ان هذا المبدأ يرسخ ثقافة مهمة جدًا، وهي أن النجاح الوطني مسؤولية مشتركة. فحين يدعم المواطن شركات بلده، ويشجع المواهب المحلية، ويمنح الثقة للمنتج الوطني، فإنه يشارك بصورة مباشرة في بناء اقتصاد أقوى ومستقبل أكثر استقرارًا.
ويتوافق هذا الفكر بصورة كبيرة مع رؤية السعودية 2030 التي يقودها سمو ولي العهد الامير محمد بن سلمان، والتي تقوم على دعم الكفاءات الوطنية، وتمكين القطاع الخاص، وخلق اقتصاد متنوع قائم على الطموح والإبداع. فالرؤية تسعى إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي في مجالات متعددة، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا عبر الاستثمار في الإنسان السعودي والمنتج السعودي والكيان السعودي. ولهذا أصبحت السعودية اليوم تدعم الرياضة والصناعة والسياحة والتقنية والترفيه بصورة غير مسبوقة، لأن بناء المستقبل يبدأ من دعم الداخل أولًا. ولذلك فإن دعم المنتج المحلي وتمكين الشركات الوطنية وتحويلها إلى علامات عالمية هو أحد أهم أهداف الرؤية.
ختاما إن مقولة الأمير الوليد بن طلال "ناخذه، ندعمه، نقوّيه، ونوصله للعالمية” ليست مجرد عبارة مرتبطة بالرياضة أو الهلال فقط، بل هي مدرسة فكرية كاملة تقوم على الإيمان بالمنتج المحلي وصناعة النجاح من الداخل ثم تصديره خارجيا والمنافسة عالميا فالهلال كان مثالًا حيًا على أن الدعم يصنع المجد، والمراعي مثال اقتصادي على أن المنتج الوطني قادر على المنافسة العالمية، والسعودية اليوم تقدم للعالم نموذجًا لدولة تؤمن بطاقاتها وطموحاتها. وحين يصبح دعم الكيان الوطني ثقافة مجتمع، فإن العالمية لا تعود حلمًا بعيدًا، بل نتيجة طبيعية للعمل والثقة والطموح. لأن الأمم العظيمة لا تستورد مجدها… بل تبنيه بنفسها.
خاص_الفابيتا


