نمو السيولة بالمملكة.. ثقة اقتصادية تتحدى التوترات الجيوسياسية

24/05/2026 0
حسين بن حمد الرقيب

يشكل عرض النقود أحد أهم المؤشرات النقدية التي تعتمد عليها البنوك المركزية والاقتصاديون لقياس حجم السيولة داخل الاقتصاد، وفهم قدرة الأنشطة الاقتصادية على النمو والاستمرار. وفي المملكة العربية السعودية، أصبح تطور عرض النقود مؤشرًا بالغ الأهمية لفهم متانة الاقتصاد السعودي، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية الكبرى التي تقودها رؤية المملكة 2030، إضافة إلى قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الجيوسياسية والحروب الإقليمية دون أن يفقد زخمه أو استقراره النقدي.

ويُقصد بعرض النقود إجمالي الأموال المتداولة داخل الاقتصاد سواء كانت نقدًا متداولًا أو ودائع مصرفية أو شبه نقدية يمكن تحويلها إلى سيولة بسهولة. ويقوم البنك المركزي السعودي "ساما" بقياس عرض النقود بعدة مستويات تبدأ من "ن1" وصولًا إلى "ن3"، ويُعد "ن3" المؤشر الأشمل والأكثر استخدامًا لقياس السيولة الكلية في الاقتصاد.

وقد بدأت المفاهيم الحديثة لقياس عرض النقود عالميًا مع تطور السياسات النقدية في القرن العشرين، خصوصًا بعد توسع دور البنوك المركزية في إدارة التضخم والنمو الاقتصادي. وأصبحت مراقبة عرض النقود أداة رئيسية لفهم النشاط الاقتصادي وتحديد اتجاهات السياسة النقدية، سواء من خلال أسعار الفائدة أو أدوات إدارة السيولة.

وفي السعودية، تطور قياس عرض النقود بالتوازي مع تطور القطاع المصرفي والمالي، حتى أصبح من أهم المؤشرات التي تعكس قوة الاقتصاد المحلي، ومستوى الثقة في النظام المالي والمصرفي، وقدرته على جذب المدخرات والسيولة.

ويتكون عرض النقود من عدة مستويات رئيسة، تبدأ بـ"النقد المتداول خارج المصارف"، وهو الأموال الورقية والمعدنية التي يحتفظ بها الأفراد خارج النظام البنكي. ثم تأتي "الودائع تحت الطلب"، وهي الأموال الموجودة في الحسابات الجارية والقابلة للسحب الفوري. ويشكل هذان العنصران معًا ما يُعرف بـ "ن1"، وهو المقياس الأكثر سيولة.

أما "ن2" فيضيف إلى "ن1" الودائع الزمنية والادخارية، وهي الأموال التي يضعها العملاء في المصارف لفترات زمنية أو لأغراض الادخار. ثم يأتي "ن3" ليضيف إلى "ن2" الودائع الأخرى شبه النقدية، مثل بعض الودائع بالعملات الأجنبية واتفاقيات إعادة الشراء والتحويلات القائمة.

وتظهر البيانات الحديثة قفزة واضحة في مكونات عرض النقود خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتفع عرض النقود "ن3" من نحو 2.3 تريليونات ريال في عام 2021 إلى أكثر من 3.3 تريليونات ريال خلال عام 2026، بنسبة نمو تجاوزت 43%. كما ارتفع "ن2" بوتيرة قوية مدعومًا بالنمو الكبير في الودائع الزمنية والادخارية التي سجلت نموًا يقارب 46% مقارنة بعام 2021، وهو ما يعكس تحولًا مهمًا في سلوك السيولة داخل الاقتصاد السعودي.

التحولات الاقتصادية الكبرى

ولا يمكن قراءة هذا النمو بمعزل عن التحولات الاقتصادية الكبرى التي تعيشها المملكة. فالاقتصاد السعودي يشهد توسعًا هائلًا في الإنفاق الرأسمالي والمشروعات العملاقة، إضافة إلى نمو الاستثمارات الحكومية والخاصة، وارتفاع مستويات النشاط الاقتصادي في قطاعات الصناعة والسياحة والتقنية والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة.

الأهم من ذلك أن هذا النمو تحقق في فترة شهدت توترات جيوسياسية وحروبًا إقليمية وارتفاعًا عالميًا في أسعار الفائدة واضطرابات في سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، وهي ظروف كانت كفيلة بإضعاف السيولة أو دفع رؤوس الأموال إلى الهروب في كثير من الاقتصادات الناشئة. إلا أن ما حدث في السعودية كان مختلفًا، إذ واصل عرض النقود نموه التدريجي، واستمرت الودائع المصرفية في الارتفاع، ما يعكس مستوى عالٍ من الثقة في الاقتصاد السعودي وفي قوة القطاع المصرفي والقدرة على إدارة السياسة النقدية بكفاءة.

ويحمل نمو عرض النقود في مثل هذه الظروف عدة دلالات مهمة. أولها أن الاقتصاد السعودي ما زال قادرًا على توليد السيولة داخليًا من خلال النشاط الاقتصادي الحقيقي، وليس فقط عبر التوسع النقدي التقليدي. وثانيها أن القطاع المصرفي يتمتع بقدرة عالية على جذب الودائع والاحتفاظ بها، ما يعكس ثقة الأفراد والشركات في استقرار النظام المالي. أما الدلالة الثالثة فهي أن المستثمرين والأفراد يفضلون الاحتفاظ بأموالهم داخل الاقتصاد السعودي بدلًا من خروجها إلى أسواق أخرى، وهو ما يعزز مفهوم "الملاذ الآمن" الذي بدأت المملكة تكتسبه ماليًا واقتصاديًا.

ومن أهم الإشارات التي تستحق التوقف، أن نمو "ن2" جاء أعلى من نمو "ن1". وهذه النقطة تحمل دلالات اقتصادية عميقة، لأن "ن1" يمثل الأموال السريعة الحركة والاستهلاك الفوري، بينما "ن2"يتضمن الودائع الادخارية والزمنية، أي الأموال التي يقرر أصحابها الاحتفاظ بها داخل النظام المصرفي لفترات أطول.

وعندما ينمو "ن2" بوتيرة أسرع من "ن1"، فهذا يعني أن الأفراد والشركات يتجهون نحو الادخار والاستثمار طويل الأجل أكثر من الاحتفاظ بالنقد السائل فقط. كما يشير إلى ارتفاع الثقة في القطاع المصرفي وفي استقرار الاقتصاد، لأن المودعين يكونون أكثر استعدادًا لربط أموالهم لفترات زمنية أطول عندما يشعرون بالأمان المالي والاستقرار النقدي.

كذلك يعكس هذا النمو قدرة المصارف السعودية على استقطاب السيولة وتوظيفها في تمويل الاقتصاد والمشروعات التنموية، وهو أمر بالغ الأهمية في مرحلة التحول الاقتصادي الحالية التي تحتاج إلى تمويل ضخم للمشروعات والاستثمارات الجديدة.

وفي النهاية، فإن تطور عرض النقود في السعودية لا يمثل مجرد أرقام نقدية، بل يعكس قصة اقتصاد استطاع أن يحافظ على استقراره وثقة المتعاملين فيه رغم الاضطرابات العالمية، كما يكشف عن عمق القطاع المصرفي السعودي، وقوة السياسة النقدية، ونجاح المملكة في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على امتصاص الصدمات، وهو ما يجعل نمو السيولة اليوم مؤشرًا على الثقة المستقبلية أكثر من كونه مجرد توسع نقدي تقليدي.

 

نقلا عن الرياض